الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

تنمية مستدامة أم طائفية مستدامة

القرار السياسي العربي غذى بؤر الفتن والصراعات الطائفية ومدها بالمال والسلاح والرجال والفتاوى الدينية التي تبشر بجنان عرضها السماوات والأرض، وتسهل العبور إلى مواطن المذابح العربية- العربية، والإسلامية- الإسلامية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/11/07، العدد: 9731، ص(8)]

منذ أواخر الثمانينات ومصطلح التنمية المستدامة يتردد في ثنايا الخطاب السياسي، ويظهر في المؤتمرات الدولية وخطط الأمم الحية والفاعلة التي كل همها صناعة المستقبل، ولهذا كانت التنمية المستدامة، في اتساعها على كل مفاصل الحياة، هي الشغل الشاغل للعديد من الحكومات والعقول السياسية.

هذا الواقع، وبسبب التقارب الجغرافي واختصار المسافات ووسائل الاتصال الفورية الحديثة، جعل الشعوب والحكومات والدول جميعا في مواجهة هذا الاستحقاق المتعلق بالتنمية المستدامة اصطلاحا وخططا وفاعلية، وتطلب منها أن تفي بمخرجات ونتائج هذه التنمية وخططها وبرامجها على صعيد الاقتصاد والطاقة المتجددة والاستثمار في الطاقات البشرية، والاستثمار في البيئة النظيفة، والاستثمار في التعليم والثقافة والفنون وغيرها.

لكن أمما وشعوبا أخرى ومنها أغلب البلدان العربية تبدو وكأنها في شبه قطيعة عن هذه الاستحقاقات، بل وكأنها تعيش في جزيرة نائية أو كوكب ناء لم تصله بعد تلك الاستحقاقات، بل هنالك لامبالاة شبه تامة تجاهها، فالكل مشغول في استحقاقات أهم ومنها خوض الصراعات والمناكفة مع الجيران والفعل الآنيّ القاصر عن الرؤية المستقبلية، ومتى غابت الرؤية الواضحة عن تحديات المستقبل، وبُذل الغالي والنفيس من أجل البقاء في الحكم والذود عن الجاه والسلطان، عندما تغيب تلك الرؤية ويترسخ الانشغال بهذه الأمور فلا تنمية ترجى، ولا استدامة تنتظر.

في المقابل وجدنا استغراقا أبعد في هذه الأوبئة التي ضربت، وتضرب، العالم العربي التي لا تقل خطورة عن وباء الإيبولا ولا أقل فتكا من أنفلونزا الخنازير، ففي كل يوم هنالك إبادات جماعية في حروب عربية طائفية ومذهبية لا تبقي ولا تذر، وفي ظل هذا المشهد تجد من الحكومات، ومن أصحاب اللحى والشوارب من يجاهر في الاستثمار لا في التنمية المستدامة وإسعاد الشعوب، بل في الاستثمار في الطائفية بالسلاح والأموال والفتاوى.

هذا الواقع المتردي زحف بالطائفية إلى مواقع متقدمة تعلو على التنمية المستدامة وبرامجها واستحقاقاتها، وتكرس الانشغال بالطائفية السياسية والطائفية المذهبية والطائفية العشائرية والطائفية القبلية، وصارت مضارب العرب منتجا حصريا محترفا لأشكال لا حصر لها من الطائفيات في تصنيعها وتطويرها حتى أصابت نخبا ثقافية وفكرية صارت تقرع، ليل نهار، على طبول الطائفية، وصرت تقرأ لشاعر طائفي وروائي طائفي ومثقف طائفي بصفة عامة.

هذا الانحطاط في الرؤية هو الذي يضرب اليوم صميم خطط التنمية والحياة المدنية، بل إنه يستهدف أكثر النقاط هشاشة في الحياة المدينة: التماسك الأسري، المرأة، الطفل، النظام الصحي، النظام التعليمي.

إن فداحة هذا المد الطائفي لا يمكن النظر إليه من زاوية سياسية فحسب، وعلى فرض أن ما جرى مجرد استحقاق سياسي ومن أجل سواد عيون الديمقراطية، وأن مجرد التخلص من هذا الحاكم أو ذاك سينزل المنّ والسلوى، وستعيش الشعوب المشردة والنازحة في المدينة الفاضلة، فالسياسة قد أخفقت واقعيا في الإجابة عن أي سؤال يتعلق باستحقاقات الحياة المدنية المستدامة، والقرار السياسي العربي، بصفة عامة، غذى بقوة ونشاط منقطع النظير بؤر الفتن والصراعات الطائفية ومدها بالمال والسلاح والرجال والفتاوى الدينية التي تبشر بجنان عرضها السماوات والأرض، وتسهل العبور إلى مواطن المذابح العربية- العربية، والإسلامية- الإسلامية. وبهذا تقدم القرار السياسي خطوات مهمة باتجاه الإجهاز على التنمية المستدامة، وحقق واقعا سيمتد إلى عقود وعقود من الفوضى والاضطرابات الطائفية ومزيد من الكراهية ونزعات الثأر والانتقام.

إن هذه الغيبوبة الكهفية التي يعانيها الخطاب السياسي العربي في الكثير من مفاصله، وانشغاله بما هو وقتي وآني على ما هو مستدام، وباللعب على الصراعات وتلوين الطائفية بألوان شتى لإكسابها شرعية ومنطقية وقبولا، كل ذلك أفضى إلى منظومة ونسق غريب في تاريخ الأدبيات السياسية يجهر بمعاداته غير المباشرة للاستقرار والأمل والتنمية تحت شتى المسوغات وباتجاه تأجيل الغد إلى ما بعده واستحقاقات المستقبل إلى إشعار آخر حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

الغيبوبة الكهفية العربية عن استحقاقات التنمية المستدامة، واستفحال الأمية، واحتقار آدمية المرأة، وحشو أذهان الأطفال بالكراهية الطائفية في ظل أنظمة تعليمية متخلّفة ومنقطعة عن العصر، ومحاربة الفنون والإبداع لكونها بدع وضلالات، كل ذلك قدم حطبا للنيران الطائفية المتصاعدة، وقدم في الوقت نفسه بيئة خصبة لهذا الوباء الطائفي الفتاك الذي يجهز في كل يوم على عشرات أو مئات وأحيانا آلاف من الأرواح، فلا القرار السياسي ارتوى واكتفى بالدماء المراقة، ولا تَنّور الطائفية اكتفى بالحطب البشري الذي يلقى إليه.

إن هذا المأزق المخيف الذي يعصف بالعالم العربي اليوم، سيخلف وراءه أشكالا هجينية غير محسوبة من الطائفية في تنوعات مناطقية وفئوية وشعبوية، وسينتج عنصرية لا تبقي ولا تذر، علاماتها نزعات التطهير العرقي التي طالت قرى ومدنا وحواضر عربية، وكل الوقائع التراجيدية هذه تتم على مرأى ومسمع الجميع وسط فرجة سريالية غريبة توّجت الطائفية المستدامة بديلا للتنمية المستدامة دون منازع.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر