الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

تحبون الله ولا تقولون

على ضفتيه في الطريق إلى العراق كان الفرات يشعّ وهجاً حضارياً وإنسانياً فريداً، وكانت الشعوب التي عاشت فضاءه وتعيش اليوم منعرجاته، تتمتّع بالحياة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/11/07، العدد: 9731، ص(24)]

مترفّعاً ومتعجرفاً مقلباً شفتيه باستمرار، كان موظف شعبة التجنيد الآشوري أوشانا خوشابا، الذي حفظ سجلات الجزيرة السورية فرداً فرداً وخانات النفوس وأسماء الأسر وأبنائها وأسرارها، كان أوشانا العجوز يحكي لزائريه في مكتبه القديم ذي الأثاث المهترئ عن مغامراته في أرض الله الواسعة: “أنتم جهلة، لا تعرفون شيئاً عن الدنيا، أنا زرت العالم كلّه، ورأيت وعرفت كلّ شيء، ماردين زرتها، الموصل زرتها، ودير الزور زرتها، وديار بكر، والقامشلي، فقط حلب والشام لم أزرهما.. الدنيا كلّها في جيبي”، ظنّ أوشانا أن العالم كلّه هي تلك المدن الصغيرة التي كانت آمنة، ولم يدر أن هناك عالماً آخر خارج الحوض العالي.

وعلى ضفتيه في الطريق إلى العراق، كان الفرات يشعّ وهجاً حضارياً وإنسانياً فريداً، وكانت الشعوب التي عاشت فضاءه وتعيش اليوم منعرجاته، تتمتّع بالحياة في ذلك الحوض قوس القزحي، فتغني للحب والحياة وتسخر من الهموم والتعقيدات، كما في أغنية “يا سمّاق” الموصلية، التي أبدعها الشعب البسيط العميق، وصنع منها صورة مشهدية نادرة في الغناء، تقول كلماتها “يا سمّاق يا سمّاق/ أكلة دهيني ومو تنذاق/طَبَخنا سمّاق بَدَاعَة/ وكُل من جا شمّغ ذغاعه/أكلونو على ساعة/ معانو خبز الغقاق/ والملاعق جيقْ وجاقْ/ يا سمّاق يا سمّاق”. والسماق هو بهار حامض قرمزي اللون، يوضع في مأكولات شهيرة كالكبة السماقية.

أما أهل الموصل فقد أصروا كما أهل باريس على لفظ “الراء” “غيناً”، فذراعه تصبح “ذغاعه”، و”الملاعق جيق وجاق” إشارة إلى صوت الملاعق وهي تتصادم.

لكن “تحبّون الله ولا تقولون” الأغنية الماردينية الشهيرة، مختلفة، فقد عرفها أهل تلك البلاد، شمالاً وجنوباً عبرت الحدود الدولية، ولم يعرف أحدٌ من وضع كلماتها، رغم أنها مليئة بالعشق والحنين، وكذلك بالتهّكم والطرافة، فمغنيها يقول: “تحبّون الله ولا تقولون/ سعادو كِل ماتت دلال أوي دلال” يطلب ممن يسمعونه ألا يقولوا إن سعاد قد ماتت، إن كانوا يحبون الله، ويذكر أنها مرّت قربه بالأمس فقط، ثم يصبّ غضبه على القطار الذي تسبّب في لوعته:” تلعن أبوه للترين لأبو حركاتو/ دلال أوي دلال/ أخذ محبوب القلب/ وخلاني بحسراتو دلال أوي دلال”، في تمازج دقيق للغات فـ”كِل” هنا تعني “قد” بالآرامية القديمة.

وسط هؤلاء كان العرب أنواعاً وأشكالاً أيضاً منهم المدني المتعلّم ذو المكانة الرفيعة ومنهم البدوي الشيخ، ومنهم من هو بين ذلك، وكان الغجر وقوافلهم، وكان بعض “السيّاد” يأتون بالكرامات فيضربون أنفسهم بالشيش، وهو سيف رشيق معدني، دون أن يموتوا أو يصيبهم الأذى، يسير كل منهم على طريقة صوفية، وبين الوقت والآخر كان يهمس لي أحد أصدقائي القدامى من أولئك السياد المسنّين، بأنه يريد أن أدعوه إلى “سكرة” فأدهش من هذا الطلب من مريد صوفي، فيفسّر لي: “تأخذني إلى عرس العاشوريات، ثم تعزمني على كباب وكازوز” فيملّي نظرَه من دبكة الآشوريات، ثم يأكل الكباب عند القصّاب الكردي حتى يستلقي، ويتمرّغ في المشروبات الغازية ذات الفقاقيع.

لا يحتاج ذلك العالم إلى تفسير وترجمان، فبهاؤه الكوزموبوليتاني كان أكثر شيء أخاف الذين أرادوا الهيمنة على المنطقة وحكمها عنوة، عالمٌ روائي ساحر لا حدود لشخوصه ومشاهده، فكأنما نداء “تحبون الله ولا تقولون سعادو كِل ماتت” كان يعني بسعاد.. تلك الحياة، التي ستعود حتماً، رغم كل ما يحدث من “جيق وجاق”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر