الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

مصر: الاستنزاف الراهن أخطر من هزيمة 1967

انتقاد تحولات 30 يونيو من داخلها، يعني أنها تصحيح وطني ضروري لثورة 25 يناير المختطفة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/11/11، العدد: 9735، ص(8)]

ما حدث في يونيو 1967 هزيمة عسكرية تحمّلها النظام السياسي، هزيمة ولو منحها محمد حسنين هيكل على لسان جمال عبدالناصر اسما مخففا، “النكسة”. ولكن من رفض الهزيمة وتوابعها “تنحي عبدالناصر” هم أفراد الشعب الذين وثقوا بعبدالناصر، خرجوا بتلقائية في شوارع مصر وعواصم عربية، وأعلنوا القدرة على المقاومة، وبدء جولة جديدة: “هنحارب”. وفي ثلاث سنوات بني حائط الصواريخ، وشهدت حرب الاستنزاف بطولات حقيقية للجيش المصري الاحترافي الذي أبعد عن السياسة بعد الهزيمة، وبسببها.

نحن الآن في مرحلة أكثر خطورة وحرجا من هزيمة 1967، كان هناك اتفاق على وحدة الهدف، على عدو وحيد، إسرائيل، يستثنى من ذلك الاتفاق جرحى الإخوان ورموز اليمين الديني الشامتون بالهزيمة، وهو ما اعترف به الشيخ محمد متولي الشعراوي في مقابلة تلفزيونية في نهاية الثمانينات، قائلا إنه كان في الجزائر وحين علم بهزيمة مصر في الحرب سجد لله شكرا: “فرحت أننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية، لأننا لو نصرنا ونحن في أحضان الشيوعية، لأصبنا بفتنة في ديننا، فربّنا نزّهنا”. ولكن الشعراوي امتلك فضيلة المراجعة، وإن أخذت منحى غيبيا لا عقلانيا، إذ زار قبر عبدالناصر عام 1995، وقال إنه انتقد عبدالناصر بسبب قانون تطوير الأزهر، وما ترتب عليه من إنشاء كليات علمية في جامعته، ثم جاءه في المنام عبدالناصر ومعه طبيب ومهندس تخرجا في الأزهر، فشهد الشعراوي بأن الرجل كان على حق، وقرأ الفاتحة ترحما عليه، ولم يذكر هذه المرة “سجدة النكسة”.

نحن الآن نشهد معارك تكسير عظام وتحطيم إرادات، تنزلق فيها الآليات فوق دم متجلط لم تتشربه الرمال، وكلا الطرفين يدعي حق امتلاك صكوك التكفير الوطني والديني.

نحن الآن ننزف دما، ولا نملك يقينا بالمستقبل، بل لا نعرف ملامح هذا المستقبل. بعضهم يفرح بعسكرة الدولة، وآخرون يراهنون على سقوطها، تمهيدا لقيام سراب اسمه الخلافة، فلا تعنيهم “الدولة”، ولا يشغلهم مستقبل يرهنونه بقدرة الله الذي منح عباده الخيال، وحثهم على “الاجتهاد” في إدارة شؤون دنياهم، ولو كان نظام الحكم إلهيا لنص عليه القرآن، ولاستراح الصحابة من خلاف السقيفة الذي وضع أسس القبيلة القرشية، وشهد بذور خلاف سياسي يتغذى إلى الآن على دماء أبرياء من مصر إلى العراق، مرورا بسوريا واليمن.

في ذلك العام، 1967، وما قبله وما بعده، شنّت إسرائيل حروبا، ومارست عدوانا وتوقعت ردا. بالنسبة إلى الحركة الصهيونية التي تمثلها إسرائيل نحن أعداء، ولكن إسرائيل من الذكاء السياسي بحيث لم تؤجل الديمقراطية، الدين العصري لأي “دولة”، الفريضة الغائبة عن دولة عبدالناصر، وبسببها انهارت إنجازاته، بيسر وفي سنوات قليلة، على يد خلفه الغيور أنور السادات.

ما لم يدركه نظام ما بعد 11 فبراير 2011، رؤساء وحكومات ومجالس نيابية، من طنطاوي إلى مرسي إلى السيسي، أن المصريين نضجوا بدرجة كافية يرفضون معها أي نوع من الوصاية، باسم الدين أو الوطنية، ليسوا يتامى ليقبلوا الشفقة أو الصدقة. بين الشعب وأي نظام عقد صريح، هو أهداف ثورة 25 يناير، ولم يكن شعارها في اليوم الأول “عيش. حرية. عدالة اجتماعية”، وإنما “تغيير. حرية. عدالة اجتماعية”.

التغيير لم يحدث، يتقدم خطوة ويتراجع أخرى، فيراوح مكانه. والحريات تتراجع. نثق بأن الإخوان لا يؤمنون بالثورة، ويكرهون الحرية، وأن اليمين الديني لا يبالي بالدم، بل يتقرب به إلى الله، ولم تصوّب أسلحته طوال القرن العشرين إلى الآن إلا إلى صدور المصريين، في حين كان سلاح بعض القوى الوطنية المتطرفة واليسارية يستهدف الاستعمار.

العنف والكفر بالوطن مقتل الإخوان ومن والاهم؛ فمنذ خلع حسني مبارك لم يصدر تهديد لفظي أو تلويح بعنف أو ممارسة للقتل، إلا من الإخوان وأنصارهم، بوضوح فادح وفاضح لغياب الفطنة السياسية حين تأكد لهم زوال دولة الإخوان: “سنسحقهم يوم 30 يونيو”، “سنقدم الضحايا والقرابين”، “نبشركم بالدماء، ستكون هناك سيارات مفخخة، وتفجيرات بالريموت كنترول”، وغابت عن صاحب التهديد فضيلة “الاجتهاد”، لا “الجهاد”، بالبحث عن كلمة عربية، بدلا من “الريموت كنترول” الذي لم يصنعه مسلم.

نثق بأن الإخوان يصنّفون الشعب بين إخواني وغير إخواني، بين دار الإسلام ودار الكفر، ولكن ثورة 25 يناير لم تقم لتعزل الإخوان، ولا لتضعهم في السجون، وإنما لتكون “الحرية والمواطنة” هي العليا، فمن شاء اتخذ الوطن والقانون دينا، ومن أبى فالعدل الذي يكفله القانون الجنائي العادي أولى به.

بالعنف المجاني، وإهانة ذكاء الشعب، أسهم الإخوان والتكفيريون في صنع أسطورة السيسي، فاحتمى به البسطاء الخائفون من جحيم لم يعد سرا، وتجاوز التهديد اللفظي، ولكن هذا التفويض ليس أبديا، فلا يتخيل عاقل أن دولة خرجت الملايين من شعبها في 30 يونيو، و3 يوليو، و26 يوليو 2013، في رهان وإصرار على إسقاط حكم تنظيم الإخوان العنصري، من الهشاشة بحيث يهدد أركانها شبّان حالمون بالحرية، خيالهم أكثر اتساعا من قضبان السجون، ومن أجل هذه الحرية راهنوا على إنهاء وجهي النظام اليميني (مبارك في 25 يناير- الإخوان في 30 يونيو)، ويظل قانون حظر التظاهر الذي حوكموا بسببه، سبّة وعارا ما لم يفرج عنهم ويعتذر إليهم، مع إلغاء هذا القانون غير الدستوري غير الإنساني. انتقاد تحولات 30 يونيو من داخلها، يعني أنها تصحيح وطني ضروري لثورة 25 يناير المختطفة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر