الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

ثقافة المعتقلات و'حرية الأقفاص'

لماذا لا تتبع وزارات التعليم ببلداننا مثل هذا النهج المبتكر في كل سنة دراسية كأن تخصص جزءا مركزيا من العملية التعليمية لدراسة وفهم وتعلم ممارسة الثقافة الديمقراطية.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2014/11/14، العدد: 9738، ص(15)]

في السنة الماضية قضيت جزءا من عطلتي الصيفية بمدينة باريس وترددت خلال تلك الفترة الزمنية على كثير من المكتبات وخاصة في منطقة الحي اللاتيني الشهير. في فضاء هذا الحي التاريخي العريق شدتني ظاهرة ملفتة للنظر وتتمثل في عرض المكتبات التي زرتها في صدارة واجهاتها لسلسلة من الكتب المكرسة لدراسة ملكة المخيلة. وهكذا قادني الفضول فسألت عمال تلك المكتبة الفلسفية القريبة من جامعة السوربون عن السبب فأجابني أحدهم بأريحية قائلا بأن وزارة التربية والتعليم الفرنسية قد برمجت في ذلك العام موضوع الخيال والمخيلة كجزء أساسي من المقرر الدراسي الرسمي في مؤسسات التعليم، وهدفها من وراء ذلك هو تدريس ملكة المخيلة البشرية ودورها الخلاق في تفجير الإبداع الفكري والفني والعلمي، وفي بناء صرح المعرفة.

لقد أغراني ذلك الرجل فقمت بدوري بشراء عدد من الكتب التي تدرس وتحلل ملكة المخيلة باعتبارها شرطا ضروريا وحاسما للحصول على المعرفة حيث أنه بدونها لا معنى للزمان ولا نستطيع إدراك ما ينقله إلينا الحدس من أشياء العالم الخارجي، ولا يمكن أيضا أن يتمَ التوسط بين ملكة الحساسية وملكة الفهم. وفي غرفتي بالفندق الباريسي تساءلت مع نفسي بألم: لماذا لا تتبع وزارات التعليم ببلداننا مثل هذا النهج المبتكر في كل سنة دراسية كأن تخصص جزءا مركزيا من العملية التعليمية لدراسة وفهم وتعلم ممارسة الثقافة الديمقراطية، أو هذه النظرية الفكرية الفاعلة إيجابيا، أو تلك المفاهيم الأكثر جدة، وجمالية، وحداثة في حقول الآداب والفنون، أو تلك النظريات العلمية والتقنية بهدف غرسها جميعا في عقول ونفوس طلابنا وطالباتنا لكي تصبح بعدئذ عنصرا مركزيا مكوَنا وناظما لشخصياتهم القاعدية.

لقد مرّت علينا سنوات طويلة، أثقل من الجبال، ونحن نطمح إلى أن تتحقق الديمقراطية في مجتمعاتنا ولكن لا شيء منها تجسد على المستوى الفردي والأسري، وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية، أو في أجهزة الحكم. ألم تلعب النصوص، المعبأة بالأفكار الرجعية، وبالتعصب، والشللية والفردية النرجسية المغلقة، المقررة على طلابنا في مؤسساتنا التربوية دورا أساسيا في تشكيل الذهنية الدكتاتورية سواء في الحياة الشعبية أوفي الهرم السياسي الذي هو نتيجة من نتائجها الوخيمة؟

وفي هذا الخصوص وجدت تحليل المفكر المصري الراحل الدكتور زكي نجيب محمود صائبا عندما أكد أن هذا النمط من النصوص العقيمة المفروضة فرضا هي التي كرست ولا تزال تكرس “الصورة التي ورثناها عن الحاكمين وما يحيط بهم من جاه وسلطان”، وهي الصورة التي يعاد إنتاجها دون وعي غالبا في ثقافة وسلوك حكامنا، وفي جميع بنيات مجتمعاتنا المادية والرمزية حيث تتجاور، في فضائها المعتم، المعتقلات مع أوهام “حرية الأقفاص”..

كاتب من الجزائر

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر