الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

تونس 'الذئاب الأربعة' واستنزاف 'القوة الناعمة'

كما أن المشروع المستهدف للعالم العربي 'رباعي مركب ومربك'، فإن الحل لا يكون إلا بمنظومة كلية تدعم الدولة الوطنية، وتعطي للإسلام حقه التاريخي والحضاري.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2014/11/14، العدد: 9738، ص(9)]

لعلنا لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ سنوات حكم النهضة وأخواتها في تونس كانت من أكثر الفترات السياسية فتكا واستنزافا وتدميرا لـ“القوة الناعمة” التونسية التي عملت الدولة الوطنية على بنائها طوال عقود ما بعد الاستقلال.

وكأنّ مشروع الترويكا كان يهدف، أساسا، إلى إسقاط تونس كمشروع حضاري وكمقاربة ثقافية ضاربة في الأصالة والحداثة، قبل تفتيتها كمؤسسات رسمية.

الشاهد في هذا الإقرار كامن في التقرير البريطاني الذي أصدرته مؤسسة quilliam foundation المتخصصة في قضايا الإرهاب والتطرف الأسبوع الفارط، حيث كشف تقريرها السنوي والذي تطرّق لـ“تنظيم داعش الإرهابي” أنّ نحو 3 آلاف مقاتل تونسي داعشي يتواجدون حاليا في سوريا للقتال في صفوف التنظيم الإرهابي، مشيرا إلى أنّ الجنسية التونسية باتت الأولى من حيث الجنسيات المتحاربة على أرض الشام.

تقرير في قيمة تقارير Quilliam foundation يفرض على العقل الجمعي العربي عامة، والتونسي خاصة، إعلان حالة الطوارئ لا فقط لأنّ عدد المقاتلين يتجاوز عدد لواء عسكريّ، وإنّما لأنّ الارتماء في أحضان الأطروحات الدمويّة واعتناق رؤى الخراب يضرب في الصميم الشخصية القاعدية التونسية، كما أصلتّها تقاطعات الجغرافيا والتاريخ والانثروبولوجيا الإنسانية.

وليس دفع شرائح هامّة من الشباب التونسي إلى “مستنقع” المحرقة السوريّة بفعل “الغوبلزية” الإعلامية الجديدة، سوى حلقة من مشروع إسقاط “القوة الناعمة” التونسية المؤصلة على لبنات “تحرير المرأة”، و”الإصلاح الديني”، و”الجالية التونسية المتفتحة والمنفتحة على تجارب الآخرين”، و”الدبلوماسية الهادئة” رغم حقول الألغام السياسية المتفجرة في العالم العربي.

ذلك أنّ مشروع “الثورات الملوّنة” في العالم العربي عامّة، وتونس خاصة، سعى إلى ضرب “المنظومة الأخلاقية” الجمعيّة بطريقة تتغيّر معها الأولويات السياسية والإستراتيجية، فيصير التناقض الإستراتيجي الشعبي لا مع المشاريع الاستعمارية ومع المخططات الصهيو أمريكية في المنطقة العربية، وإنما مع الأنظمة العربية ومع الدولة الوطنية.

المفارقة كامنة في أن تونس، الورقة الأولى من ربيع عربي يبشّر بالديمقراطية والتعددية هي ذاتها المصدّر الأوّل للإرهاب في العالم، وهي أيضا صاحبة أكبر جالية إرهابية في المعمورة برمتها تصدّر للعالم تباشير الظلامية والدغمائية، وتسترجع خطابات التخلف والرداءة والتردي وتقتل على الهوية الإثنية، وتستأصل أقليات دينية متجذرة في تربة المشرق العربي.

والمفارقة الأغرب في ذات المفصل، أن المرأة التونسية السباقة في مجال الحقوق والحريات باتت صورتها الرمزيّة مشوّهة بمقولات “جهاد النكاح”، وبحقائق الانضواء تحت رايات الإرهاب المسلح من سوريا والعراق، وصولا إلى جبال الشعانبي ومنطقة “وادي الليل” بتونس العاصمة.

يضاف لكلّ ما سبق، الاهتراء الحاصل في الدبلوماسية التونسية المعروفة بهدوئها وباتزانها وباستنادها إلى مبدئي “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”، و”الاستناد إلى القرارات الأممية” بعد أن صارت تونس “الترويكا” رأس حربة في مشروع قطري- تركي ساع إلى بسط الهيمنة العثمانية القطرية في الأوطان العربية، عبر تنصيب وكلاء محليين يدينون بالولاء لأنقرة والدوحة… وهو ما أفقد تونس الكثير من الأصدقاء التاريخيين، وعرّضها للعزلة الإقليمية والدولية في الكثير من الأحيان.

الخطير في كلّ ما سبق أنّه حصل وجدّ خلال سنتين فقط من حكم الترويكا، والأخطر منه أنّ كافة الخطايا والأخطاء الكارثية كانت تستهدف القوة الرمزية التونسية في مقتل، وكانت تسعى إلى ضرب مقومات النموذج الحضاري لبلاد جامع الزيتونة.

اللافت أنّ الخيط الناظم بين الرباعي المتكالب على تونس خلال فترة 2011 و2013 هو عدم إيمانه الحقيقي بالدولة التونسية، وعدم اقتناعه بالمكتسبات الحضارية والقانونية لتونس ما بعد الاستقلال.ونقصد بهذا “الرباعي”، “السلفية التكفيرية” المعادية استراتيجيا وعسكريا للدولة الوطنية، “حركات الإسلام السياسي” الحالمة بـ“الخلافة السادسة”، تركيا المتيمّة بمشروع إحياء “الباب العالي”، وقطر المتناقضة مع كلّ مكوّن سياسي ورسمي يجسّد “التاريخ والجغرافيا”.

هذا الرباعي انقض على تونس في فترة الاضطراب وتمكّن من مفاصلها وجيّر مؤسساتها في حروب إقليمية ودولية كبرى، ودفع بالآلاف من شبابها إلى المحرقة الشرق أوسطية، وساهم في تعريض تونس لخطر الإرهاب واستنزف الدولة الوطنية وعرّضها إلى خطر العودة إلى ما قبل “دولة استقلال”.

والحقيقة أنّ “الذئاب الأربعة”-بالمعنى السياسي- المعادية للدول الوطنية تعمل بتناسق في أقطار عربية عديدة، فآثارها موجودة في ليبيا ومصر وسوريا وغزّة… وكلّما ضيّق عليها في عاصمة عربية إلاّ وزرعت بذورها في عاصمة أخرى.

وكما أنّ المشروع المستهدف للعالم العربي “رباعي مركّب ومربك”، فإنّ الحلّ لا يكون إلا بمنظومة تدعم الدولة الوطنية دون سقوط في “المحلية” القطرية، وتعمل على مأسسة مبادئ العقلانية والحداثة والعدالة والإعلام الحرّ والتعددي، وتعطي للإسلام حقّه التاريخي والحضاري والشرعي والوجداني والعرفاني حتّى يستردّ الإسلام-رسالة ومقاصد- من أيادي خاطفيه وما أكثرهم…

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر