الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الإنسان الغزال

عالمٌ غير عادي في الشرق مجنون وساخر من تلقاء ذاته، لا يحتاج إلى من يرسمه بخطوط الكاريكاتير.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/11/17، العدد: 9741، ص(24)]

بعد حقل الصبّار الشهير المدمّر اليوم على ضفاف حي المزة الدمشقي، تقع داريا، وهي جنة من الخضرة وأشجار الفواكه والأعناب، تلمّس فيها أحد أشهر الصحفيين في ذلك الوقت معالم قصة مثيرة، نشرها في جريدته “آخر دقيقة” وتتحدث عن فتى لقيط أصم أبكم، عثرت عليه غزالة فقامت بإرضاعه وتربيته، وفق ما كتبه الصحفي سامي الشمعة الذي أسس عدداً من الصحف الشهيرة مثل “الدستور” و “السياسة” وكان أول مدير لإذاعة دمشق في العام 1940.

كتب الشمعة عمّن سماه “الإنسان الغزال” وقال إنه يمشي على أربع وليس على رجلين، وأنه يعيش في أدغال داريا مثل طرزان الذي اخترعه المؤلف الأميركي إدغار رايس بوروس في العام 1912، فانتشرت القصة كالنار في الهشيم، فقرّر الأميركيون، كالعادة، وضع استراتيجية خاصة، والقدوم إلى دمشق للتحقيق في الموضوع وإحالته إلى هيئات البحث العلمي، وحين وصلوا كان الشمعة قد فرّ خارج المدينة ولم يعد حتى غادروا.

كان الشمعة معروفاً بخياله الواسع، نشر مرّةً حواراً مطولاً مع الملك الأردني عبدالله الأول، وحين سئل الملك عن الحوار، قال إنه لم يلتق بالشمعة يومأً، ولكنه لا يمانع من نشره، فلو أراد قول شيء، فإنه لن يخرج عمّا اخترعه هذا الصحفي الذكي، الذي كان قد درس في الجامعة الأميركية وكان لاعب كرة قدم وناشراً ومراسلاً ومؤرخاً أتقن الإنكليزية والفرنسية والتركية والألمانية.

كتب الشمعة عن تأسيسه لإذاعة دمشق: “استلمتُ محطة (هنا محطة دمشق العربية، تذيع عليكم على موجة طولها، وعرضها، وذبذبة.. إلخ)، وبدأت المشاكل منذ اليوم الأول، فقد كانت المحطة عبارة عن راديو و فونوغراف وعلبة صغيرة وبضع إسطوانات قديمة، ولا تزيد قوتها عن ثلث الكيلووات، وهذه المحطة تستطيع أن تذيع، ولكن على من يريد أن يسمعها أن يكون موجوداً في الأستوديو أو في الحي الذي أنشئت فيه، وبدأنا بالبحث عن المطربين، والموسيقيين وأخذنا نفاوضهم، الحفلة بثلاث ليرات، يدفع فوقها المطرب من جيبه خمس ليرات ثمن قطعة وسبع ليرات تلحين، وراجعت مرّة قائمة الإسطوانات فإذا بها تبدأ بإسطوانة “يا منعنشة”، فطلبت أن يكون في المحطة فرقة إذاعة، فقيل لي: “ألّفْ فرقة إذاعة، ولكن على حسابك” فألفتها، وكانت تصلني كل يوم خمسون مقالة عن قوة الحلفاء، وكانوا إذ ذاك يفرّون من ميناء دنكرك، أو عن قوة فرنسا، وكانت إذ ذاك قد استسلمت للألمان من أول دقيقة، فكنت أخفي المحاضرات في درج المنضدة وأضع بدلاً عنها إسطوانة “خدعوها بقولهم حسناءُ”، وأخذت أطلب إلى الدوائر العليا زيادة المخصّصات، قائلاً بأن الفنانين، بدؤوا يحتجون على التعرفة، فقيل لي: “ضع بدلا عنهم إسطوانات، و لا بأس أن تغني أنت، ويعزف المحاسب ويتكلم المذيع، فالموازنة لا يمكن زيادتها”، وتلقيتُ ذات يوم شكوى من الدوائر العليا، بأني لا أذيع نشرات الدعاية (الأخبار) أو أنني ألخصها، وأذيع ما يروق لي منها، وأن أحد سكّان مدينة ليون الفرنسية نبّهها إلى هذه الناحية، مع أنني كنت أعلم أن صوت المحطة لا يصل إلى دوما في ريف دمشق”.

عالمٌ غير عادي في الشرق، مجنون وساخر من تلقاء ذاته، لا يحتاج إلى من يرسمه بخطوط الكاريكاتير.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر