الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

فضيلة صمت الفلول لكي ينجح مشروع الدولة

على من سكت عن جرائم عصر مبارك أن يواصل التحلي بفضيلة الصمت، فلا شجاعة الآن في انتقاد أي مسؤول، من مبارك إلى طنطاوي إلى مرسي إلى السيسي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/11/18، العدد: 9742، ص(8)]

أنهيت مقال الأسبوع الماضي بهذا السطر: “انتقاد تحولات 30 يونيو من داخلها يعني أنها تصحيح وطني ضروري لثورة 25 يناير المختطفة”. وسألني أصدقاء هل أعني- بوصف “المختطفة”- ما قبل 30 يونيو 2013؟ أم ما جرى بعدها إلى اليوم؟ فأعدت قراءة الجملة، ورجّحت أنها تقرأ على الوجهين.

نجحت 25 يناير 2011 لأنها وحّدت الشركاء والفرقاء “نبلاء وعسكر وإسلامجية”، ونجحت 30 يونيو 2013 لأنها حددت العدو، فارتفعت صورة باراك أوباما بلحية المرشد العام للإخوان. كانت أميركا عدوا يريد الاستثمار في الإخوان ومعهم، وظل يراهن عليهم حتى بعد أشهر من خلع مرسي.

لكن شركاء 30 يونيو تفرقوا، بين المنافي النفسية والمعتقلات والقرف العام، وأخلوا المشهد لرموز حكم حسني مبارك، أعداء الثورة والحرية والمستقبل، تسللوا في خجل، أو استدعوا بلا خجل. لا يخجلون ولا يخجل من استدعاهم. بعض هؤلاء زيّنوا لحسني مبارك سوء عمله فرآه حسنا، بعد أن قابلوه والثورة في المخاض، وكتبوا في حقه كلاما كانوا سيخرجونه في الوقت المناسب، ويحتجون به على 25 يناير، ويعلنون براءتهم منها لو فشلت وظل مبارك فوق عرش سليمان. ولم ينسوا، كذلك، أن يقابلوا ابنه الأستاذ جمال، ويبدوا فروض الطاعة، بمباركة إسماعيل سراج الدين الذي كان مخلصا في ابتكار أوهام، على مقاس هوى امرأة نصف متعلمة: معهد دراسات السلام، وحوار الثقافات، ومنتدى الحوار العربي. الرجل بحكم منصبه وصلاحياته ماهر، يجيد حشد جموع من عواجيز الفرح، للدردشة، وطحن كلام سبق أن مضغوه، أو مضغه غيرهم، حتى أصبحت مكتبة الإسكندرية قلعة لا علاقة لها بأهل الإسكندرية ولا مثقفيها ولا جامعتها، على الجانب الآخر من الشارع نفسه.

لماذا سراج الدين الآن؟ لأنه أصبح مستشارا لرئيس الوزراء المصري. سراج الدنيا والدين وزع الأحد الماضي “16 نوفمبر 2014” هذا البيان: “أصدر المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء قرارا بتعيين الدكتور إسماعيل سراج الدين مستشارا لرئيس مجلس الوزراء لشؤون الثقافة والعلوم والمتاحف. كما نص القرار على عدم تقاضي سراج الدين أي أجور أو بدلات، وذلك بناء على طلبه”.

سراج الدين والدنيا ليس بدعا من الموظفين، وسبق أن استعرضت هنا في “العرب”، يوم 20 يونيو 2014، جانبا من السيرة الوظيفية لجابر عصفور، في مقال “جابر عصفور موظف يمارس التنوير الانتقائي”، وقد كتبت مساء “جمعة الغضب”، 28 يناير 2011، واصفا إياه بأنه “خادم سيدتين”، كنت غاضبا وسرقتني الأحداث المتسارعة فنسيت أن أخفف الصفة، أو أعتذر عنها، وهو أيضا لم يعتذر عن عدم قبول الوزارة، وحين جاءته الفرصة للتفكير رأى أن يطبق الآية القرآنية: “ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه”، صدق الله العظيم.

انتقدت كهنة قابلوا مبارك ومدحوه على صفحات “الأهرام”، دافعوا عنه بسكاكين سرعان ما استخدموها في الإجهاز عليه، في الصحيفة نفسها وفي غيرها، أحمد عبدالمعطي حجازي والسيد يسين وجابر عصفور ومعهم أيضا يوسف القعيد وجمال الغيطاني ومصطفى الفقي. ولكني لم أنتقد فوزي فهمي؛ فلم يمتدح مبارك، ولا انتقده بعد ضعف قوته وهوانه على الناس.

الشجاعة الفائقة منعت عصفور، رغم استقالته قبيل 48 ساعة من خلع مبارك، أن يقول كلمة حق. سألته صحيفة “الوفد” في حوار نشر يوم 11 فبراير: “عاصرت فترة تنحي عبدالناصر عن الحكم.. فهل تنصح الرئيس بالتنحي؟”. الإجابة: “لا تعليق”. السؤال الثاني: “ما هو سيناريو الخروج من الأزمة التي نعيشها الآن من وجهة نظرك؟”. الإجابة: “أرفض التعليق”.

كان عليه أن يعتذر. عُرض ما هو أفضل من الوزارة على من هو أفضل منه فرفض. رفض أحمد لطفي السيد “أستاذ الجيل” تولي رئاسة الجمهورية، قبل أن يصير جمال عبدالناصر زعيما، في نهاية 1954 أو بداية 1955. لم يكابر لطفي السيد، لأنه كبير، واعترف بأنه وجه من الماضي.

بعد 1952 توارى ساسة ومثقفون: علي ماهر والدكتور محمد حسين هيكل ومحمد التابعي. تمنيت أن ينسحب من المشهد العام بعد 11 فبراير 2011 عبدالمعطي حجازي والسيد يسين ومصطفى الفقي وعمرو موسى وصلاح فضل وجابر عصفور وفوزي فهمي الذي أعاده عصفور ليتصدر مشروع مكتبة الأسرة، ومعه محمد بدوي.

وجوه عهد مبارك عبء على 25 يناير و30 يونيو. لم أصدقهم حين زايدوا على 25 يناير ثم انقلبوا عليها في وقت لاحق، ولا أصدقهم الآن في المزايدة على 30 يونيو باسم الحرب على الإرهاب. على من سكت عن جرائم عصر مبارك أن يواصل التحلي بفضيلة الصمت، فلا شجاعة الآن في انتقاد أي مسؤول، من مبارك إلى طنطاوي إلى مرسي إلى السيسي.

وجوه عهد مبارك سبب قوي لارتفاع صوت الصامتين القدامى، تكفيرا عن ذنب مزمن، شجاعة بأثر رجعي، مجانية وآمنة. بعض المرضى يستمتع بجلد الذات، ذاته وذات 30 يونيو، مازوشية إلكترونية تتجلى في البحث الدائم، في سلال القمامة، عن أخبار الكوارث البشرية والكونية، وإعادة نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي. تعمى عيون كارهي البشر عن رؤية النور، وتضل الطرق إلى أي نور، أما المتفائلون فيراهنون على الأمل، كما راهنوا على إسقاط الطغاة ونجحوا، وسينجحون.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر