الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الأعزل رشيد نكاز وحائط المبكى السياسي الجزائري

لماذا يعاقب السيد نكاز في وطنه الجزائر بعد أن أعلن عن هويته الوطنية باعتزاز وعن حقه في المواطنة، وبعد أن تخلى عن الجنسية الفرنسية طوعا.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2014/11/20، العدد: 9744، ص(9)]

لماذا يثير هذا الوجه السياسي الجزائري المثقف والحداثي الهلع في غرفة أنعاش النظام الجزائري الحاكم. ولماذا عرقل مشروع رشيد نكاز السياسي في فرنسا أولا ومن ثم يعرقل الآن في الجزائر، بعد تحصيله الفكري والعلمي العالي الناجح في حقلي الفلسفة والتاريخ في جامعة السوربون، التي تعد إحدى أرقى الجامعات في فرنسا وفي العالم بأسره، وبعد تحقيقه، بجهوده الخاصة، نجاحا باهرا في مجال الاستثمار في الإنترنت والمعلوماتية والعقَار مما أهَله أن يصبح مليونيرا شابا بالعملة الصعبة.

هل صحيح أن شخصية السياسي رشيد نكاز تتصف حقا بالاستقامة السياسية والأيديولوجية بعد أن قام، وهو العلماني، بمساندة ودعم المسلمات المهاجرات المحجبات اللواتي تعرضن للتعسف والمطاردة وللتغريم المالي وللمضايقات في فرنسا وفي بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، وذلك جراء خيارهنَ الشخصي، الذي يفترض أنه لا يتعارض مع مبادئ الليبرالية الديمقراطية ولوائح حقوق الإنسان الدولية، علما وأن ارتداءهن للنقاب يقتصر فقط على الشارع، ولا تصل عدواه إلى مراكز الشغل، أو إلى المؤسسات الرسمية التابعة للدولة الفرنسية.

وهل يعني تكفل السيد نكاز بدفع مبالغ الغرامات التي تفرض عليهنَ على نفقته بصفة دائمة – عوضا عنهنَ منذ أن أعلن رفضه لمنع النقاب في الشارع في عام 2011 – الدفاع عن الحريات الشخصية في المجال العام، أم يعني الصدام المباشر مع شعار “إسلام فرنسا” الذي اخترعه ثم رفعه ولا يزال يرفعه اليمين الفرنسي. أم يعني عند القبيلة الفرنسية “البيضاء” أن ارتداء النقاب في الشارع الباريسي سينقب بمناقيره السوداء قصائد الشاعر شارل بودلير الشقراوات ويمسخ جمالياتها بسواد الغراب الأسحم.

لماذا يعاقب السيد نكاز في وطنه الجزائر بعد أن أعلن عن هويته الوطنية باعتزاز وعن حقه في المواطنة، وبعد أن تخلى عن الجنسية الفرنسية طوعا، واحتفظ بحق الإقامة فقط في المهجر الفرنسي، وكل ذلك من أجل أن يكون له دور عضوي في بناء بلده، وأن يساهم كمواطن شرعي في الحياة السياسية الجزائرية، بغية ترقيتها ونفخ روح عصرية وحداثية في جسدها المتهاوي. وهل يعود سبب هذا العقاب إلى أن السياسي رشيد نكاز قد صرح بأنه سيفتح الحدود مع المغرب إذا انتخب رئيسا للجزائر، وأن المغرب قد ساعد حركة التحرر الوطني الجزائري من الاستعمار الفرنسي.

إن هذه الأسئلة قد طرحت ولا تزال تطرح بقوة متنامية في الشارع الجزائري وصارت تسري كالنار في الهشيم مما جعل أحد المعلقين السياسيين ينبري إلى وصف هذا السياسي الجزائري الطليعي بغاندي الجزائر الجديد.

يبدو أن حائط مبكى السياسة الجزائرية الرثة والعقيمة لا يقبل بهذا النوع من الشخصيات الوطنية المثقفة من طراز رشيد نكاز، والدليل على ذلك أنه في هذه الأيام القليلة الماضية تم توقيفه في المنطقة التي شهدت ميلاد والدته من طرف أمن بلدية منطقة صدوق الأمازيغية – التابعة لولاية بجاية التي تبعد بمسافة 260 كلم تقريبا عن عاصمة البلاد، وهو يقود مسيرة سلمية باتجاه العاصمة الجزائرية لاستكمالها فيها كما وعد المواطنين والمواطنات الجزائريين والجزائريات.

لقد أثار هذا التوقيف المتزامن مع إجباره للمثول أمام محكمة أقبو بولاية بجاية الجزائرية بتهمة “التجمهر غير الشرعي والتحريض على التجمهر” قلق وغضب المجتمع المدني الجزائري، ورابطة حقوق الإنسان ببجاية، والشرائح السياسية المناوئة للنظام الحاكم وغير المنتمية إلى المعارضة الرسمية رغم أن هذا التوقيف الأمني لم يدم طويلا، وأن المحاكمة التي تعرض لها قد أسفرت فقط عن تثبيت التهمة المذكورة في ملفه كإنذار أوَلي له يمكن أن يفعَّل قضائيا ضده إذا كرَر مثل هذه المسيرة في المستقبل.

حسب التصريحات التي أدلى بها السياسي رشيد نكاز فإنه قد قرَر أن يواصل هذه المسيرة السلمية الأمر الذي يرشح الوضع أن يتطور إلى مواجهات عنيفة لا أحد يعرف نتائجها والتي يحتمل أن تتحول إلى فتيل يشعل التمرّدات الشعبية داخل البلاد.

لابد من التذكير أن سيناريو إقصاء رشيد نكاز من مسرح الانتخابات الرئاسية لعام 2014 – المثيرة للجدل والمرفوضة من طرف قطاع واسع من فصائل المعارضة الرسمية والتي جـرت منذ أشهر قليلة ماضية وأوصلت الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى قصر المرادية للمرة الرابعة – لا يزال محل نقاش وأخذ ورد في القرى والمدن الجزائرية علما أن رشيد نكاز المترشح المبعد في ظروف وملابسات معقدة قد أكد للرأي العام الجزائري أنه لم يفشل” في تقديم ملف ترشيحه كاملًا لكي يترتب عليه الخروج من سباق الرئاسة”.

كذلك أوضح أن الذي حدث هو مؤامرة محبوكة ضده أدت إلى اختفاء السيارة التي حوت التوقيعات التي جمعها إلى جانب شقيقه الذي كان يقودها قبل لحظات من انتهاء مهلة تقديم الملفات إلى المجلس الدستوري الشيء الذي تسبب في نقص ملفه”، وإلى إزالة اسمه من قائمة المترشحين للرئاسة.

لاشكَ أن المسار السياسي لرشيد نكاز، مؤسس حزب “التجمع الاجتماعي الديمقراطي” في المهجر الفرنسي، درامي، حيث أنه قد تعرض لضربات موجعة في فرنسا ويمكن تفسير ذلك ببساطة تفسيرا وجيها وهو أن العقل الباطن، والوعي الشقي للجمهورية الفرنسية المعاصرة لا يزالان أسيرين للتفكير الرغبي الهوَامي، حيث أنهما لم يستفيقا ليدركا حقيقة سوسيولجية وثقافية ودينية وبشرية جديدة، وهي أن فرنسا نابوليون، وماري انطوانيت، وبليز بسكال الذي قال يوما بلهجة عنصرية في كتابه “أفكار” إن الحقيقة لا توجد خارج جبال البرانس، لم تعد قائمة كما كانت في الماضي، بل إن فرنسا ما بعد الكولونيالية قد صارت فعلا دولة متعددة الأعراق والثقافات والديانات والإثنيات وألوان جلود سكانها.

بالنظر إلى ما حدث لهذا السياسي ورجل الأعمال والمثقف في مهجره الفرنسي من عراقيل شوَّشت على مشروعه السياسي، ومن اتهامات تحاول أن تلصق به وصمة الأصولية الإسلامية المتطرفة عبثا، فإن المرء يفاجأ بمفارقة عجيبة تتمثل في مواجهة رشيد نكاز في عقر وطنه الأصلي أبا عن جدَ لمؤامرات وتلاعبات، أثناء ترشحه للرئاسيات التي نظمت وجرت هذا العام 2014.

من جهة أخرى وخلال شروعه في وضع ملف ترشحه لدى المجلس الدستوري الجزائري، مما أدى إلى إقصائه نهائيا دون أن تجري الجهات المسؤولة على سير التحضير للعملية الانتخابية أي تحرّيات أو تحقيقات لفك عقدة سيناريو خطف ملف ترشحه، وهو السيناريو الذي يتوج الآن بتوقيفه من طرف الأمن وإحالته على العدالة بتهمة الإخلال بالأمن العام والتحريض على العصيان، الذي لا تنطلي دوافع وغايات مصمّميه وعرّابيه على أي عاقل له دراية بفولكلور المشهد السياسي الجزائري، الذي يمتهن مهنة عرقلة، وتشويه، وإقصاء أي صوت وطني سياسي أو فكري نظيف وغير مدجّن، وله مشروع حداثي يخرج الجزائر من أقفاص ثقافة الولاء والدهماء إلى فضاء جماليات السياسية المتحضرة وحسن الأداء.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر