الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

غازي!

غازي وأبو الخير وغليوم والمجنون والحكيم والامبراطورة والحمار وروسيا وإنكلترا والمسلمون الذين يحتاجون الحماية، حكايات الليل والنهار على صراط الحاكم والمحكوم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/11/21، العدد: 9745، ص(24)]

كان أحد أعمام جدي ممن أدركتهم في أواخر حياتهم، حكيما يداوي الناس وهو عليلُ، وكان يستعمل الملح في علاج كل شيء، حتى ظهرت حالة غريبة في المدينة، شخص يقتحم بيوت الناس ويصرخ بهم قائلا: “غازي!” ثم يهرب، بعد أن يكون قد أفزع الصغار والكبار من نومهم وجفّل النساء والشيوخ، وأحيانا يقترب من عربة بيع خضار ويقلبها على الأرض، شاقا ثوبه صارخا: “غازي!” أو يذهب إلى الجامع ويقتحم صفوف المصلين ويقف محل الإمام أثناء الصلاة ويصرخ بالناس: “غازي!”.

ولم يعرف أحدٌ ما معنى “غازي” تلك التي يزعق بها، فجاؤوا به إلى “أبو جدعان” وقالوا له هذا فلان، يفعل كذا وكذا، فأجلسه في غرفة وانفرد به، فصرخ الرجل “غازي!”، فقال له: “من غازي؟” قال: “قتلوا غازي” فسأله: “من قتل من؟” فقال: “الملك غازي ملك العراق، قتلوه، انهدم بيتنا كلنا وراحت البلاد”، ففهم الحكيم أن المجنون أعقل مما يظن الناس به، وأنه لا علاقة تربطه بالملك غازي ولكنه مجرّد محبّ له، فخشي عليه من غضب من قتلوا غازي في العراق، وقال إن الرجل به مسٌ من الجن، وأن من “الأفضل أن نحشو فمه بالملح حتى يتحسّن”.

وهكذا كان، فنسي الرجل بسبب الملح، غازي وأباه وجدّه، فعفّ عنه الناس، وقد كانت تلك السنة 1939، غير عادية، حين لقي الملك مصرعه بعد أن صدم بسيارته عمود كهرباء!، وقيل إن البريطانيين وبعض المتنفذين دبّروا له الحادث سرا للتخلص من شخصية شكلت لهم قلقا، ولكن غازي لم يكن ضحية البريطانيين وحدهم، فقد ذهب مرة في زيارة لأحد شيوخ العشائر في الكوت، وأثناء استقباله أصرّ الجميع حسب التقاليد على أن تبدأ المراسم بتلاوة أيٍ من الذكر الحكيم، بحضور الملك، فقرأ المقرئ الآية :”إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة” فضحك الملك من حُسن استقبال الشعب له ولم يظهر أي استياء من الرسالة الواضحة في تلاوة المقرئ.

وزار ملكٌ آخر طويل البال، غير غازي، دمشق في عام 1898، هو غليوم الثاني امبراطور ألمانيا، الذي كرّم مقام السلطان صلاح الدين الأيوبي وأهداه ضريحا مرمريا فاخرا، وقام بإلقاء خطبة من دمشق أعلن فيها حمايته العلنية لثلاثمئة مليون مسلم، مما أثار استياء كل من إنكلترا وروسيا، لأن مئتين وخمسين مليونا من هؤلاء كانوا من رعاياهما، ولكن زوجته أعجبت بشيء غير متوقع أثناء تجوالها في المدينة القديمة، فكانت قد رأت حمارا صغيرا أبيض اللون، وطلبت من زوجها أن يشتريه لتصحبه معها إلى ألمانيا، فتقدم الامبراطور برجاء إلى والي دمشق أن يأتيه بالحمار، فسأل الوالي عن صاحبه فقيل له، إنه “أبو الخير آغا”، فسأل الوالي الآغا أن يهدي حماره للامبراطورة، فاعتذر، فعرض عليه شراءه بمبلغ كبير، فرفض، فغضب الوالي، فقال أبو الخير: “يا أفندينا، إذا أخذوا الحمار إلى بلادهم ستكتب جرائد الدنيا عنه، ويصبح الحمار الشامي موضع نكتة وربما السخرية، فيقول الناس، إن امبراطورة ألمانيا لم تجد في دمشق ما يعجبها غير الحمار”، فنقل الوالي ما قاله له أبو الخير إلى الامبراطور، فقرّر الأخير إصدار فرمان بمنح أبي الخير وساما ألمانيا رفيعا سمّاه “وسام الحمار”.

غازي وأبو الخير وغليوم والمجنون والحكيم والامبراطورة والحمار وروسيا وإنكلترا والمسلمون الذين يحتاجون الحماية، حكايات الليل والنهار على صراط الحاكم والمحكوم.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر