الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

لعبة السلاح الكيماوي من العراق إلى سوريا

'لحقيقة الراسخة هي أن الإدارة الأميركية ليس في أجندتها تغيير النظام السوري، وهي مستعدة لبيع كل مفردات قائمة حقوق الإنسان من أجل مصالحها ومصالح إسرائيل في المنطقة'.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2013/09/16، العدد: 9322، ص(8)]

مع أن الأحداث المتعلقة بالوضع السوري تتسارع وتتغير بالساعات، فمن أجواء استحضار ساعة الصفر لضربة عسكرية نحو سوريا قررها الرئيس الأميركي أوباما إلى انتقال مفاجئ للعمل الدبلوماسي يفرض نفسه ويختصر الحرب السورية الداخلية التي امتدت قرابة الثلاث سنوات في قضية استخدام الأسلحة الكيميائية الذي وضعته الحوارات بين موسكو وواشنطن في المقدمة بعد استخدامه في الحادي والعشرين من أغسطس الماضي.

صحيح أن التهديد الأميركي بتوجيه ضربة عسكرية كان عنوانها امتلاك واستخدام السلاح الكيماوي من قبل النظام والهدف هو منع استخدامه داخليا وخارجيا، إلا أن انتقال المعركة السياسية ما بين واشنطن وحلفائها الغربيين، وبين نظام بشار وحلفائه الروس والإيرانيين والتي كانت تستهدف دعم «المعارضة السورية» سياسيا وعسكريا وصولا الى إزاحة نظام بشار، إلى تطور دراماتيكي جديد أدخل الحالة السورية ومن دون مقدمات في قضية لا ترتبط بالدفاع عن الشعب السوري ونيل حقوقه وإنهاء كارثته الإنسانية الفريدة في التاريخ المعاصر، وإنما إلى تجريد النظام السوري من السلاح الكيماوي. وهو عنوان لملف يبدو أنه عرض على الطاولة بعد استخدامه ضد الأبرياء المدنيين، ويعيد للذاكرة ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية التي ابتدأ شوطها منذ حرب الخليج الثانية 1991 وحتى احتلال العراق 2003 وهنا من المفيد استحضار بعض معطيات هذا الملف ومقارنتها بالحالة السورية الراهنة في قضية أسلحة الدمار الشامل. باختصار إن المعركة التي أدارتها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق في عهد بوش وكلينتون وبوش الابن لمدة ثلاثة عشر عاما مختلفة تماماً، صحيح أن عنوان تلك المعركة كان طلب تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل عبر حملة مكثفة، إلا أن الهدف الأميركي كان إزاحة نظام صدام عبر أداة الضغط هذه، وتم استغلال احتلال الكويت عام 1990 لإصدار العديد من قرارات مجلس الأمن تحت الفصل السابع لإجبار النظام للخروج من الكويت، ثم إخضاعه لأقسى لجان التفتيش الأممية والمسيرة من قبل الإدارة الأميركية في لعبة الاستفزازات المتكررة لإيقاعه في فخ الفصل السابع الذي تخللته ضربة عسكرية «ثعلب الصحراء» عام 1998 في عهد كلينتون. وبعد أن دمر العراق جميع تلك الأسلحة ومنها الكيماوي ما بين 1991 و1998 استمرت حملة لجان التفتيش التي أخذت تضغط وبقرارات سياسية بتفتيش القصور الرئاسية وضمنها غرف نوم صدام والمستشفيات والمدارس والوزارات، الأمر الذي اضطر النظام حينذاك لطرد المفتشين عام 2000، ثم الإذعان لإعادتهم عام 2002 بعد التصعيد الذي جرى لاستهداف العراق عسكريا بعد واقعة 11 سبتمبر، وتصنيفه إلى جانب ايران وكوريا وسوريا بمحور الشر، ثم تم إخراج سوريا من القائمة إلى نهاية القصة باحتلال العراق عام 2003.

سوريا لا تمتلك صراعا استراتيجيا مع الولايات المتحدة، إنها حلقة معطلة من تسوية تاريخية منذ نهاية حرب تشرين 1973 مع إسرائيل، ثم انتظمت على يد الراحل حافظ الأسد في التسوية السلمية في مؤتمر مدريد 1991، وتحالفت مع الولايات المتحدة في حربها ضد العراق عام 1991 وقبلها مع إيران ضد العراق في حرب الثماني سنوات.

ولا توجد في سياسات واشنطن- عبر إداراتها المتلاحقة- فكرة تغيير نظام دمشق لأن إسرائيل مرتاحة للوضع، مشكلة النظام السوري عند أميركا واسرائيل هي في انحيازه لحزب الله اللبناني وطهران، وجرت محاولات متعددة لفك هذا الارتباط من قبل وسطاء من بعض المسؤولين الخليجيين والتعهد بتعويضه لكنها فشلت، ويبدو أن الأميركان قد يئسوا من تحقيق هذا الهدف وتيقنوا أن العلاقة أعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بفكرة الترابط العقيدي المذهبي أكثر منها سياسية مصلحية عابرة. وكشفت ذلك الأيام اللاحقة بعد تفجر الصراع الداخلي السوري المسلح منتصف مارس 2011 حيث أصبحت الساحة السورية ميداناَ لنشاط واستقطاب شبكات الإرهاب والتطرف، ولانكشاف أوراق القطبين الأميركي الذي خسر العراق، والروسي الذي اكتشف أن موروثه في القطبية لم ينته مفعوله بعد التفكك الهائل الذي أصابه بعد انهيار جدار برلين، إلى جانب إيران التي حصلت على أكبر هدية تاريخية في نفوذها بالعراق عام 2003، وما عناه ذلك من ورقة ضغط استراتيجية وضعت إيران في موقع قوي في صراع النفوذ على مذبح ثورة الشعب السوري من أجل حقوقه في الحرية والديمقراطية والخلاص من الاستبداد والدكتاتورية، والذي تحول إلى مطلب اقترن بتضحيات دم ما لا يقل عن مئة وخمسين ألف شخص، وتشريد قرابة الخمسة ملايين سوري في أسوأ كارثة إنسانية يعيشها العصر. وإلى جانب التدويل والأقلمة للحالة السورية بكل تناقضاتها ومقايضاتها الرخيصة بالدم السوري حتى عند بعض أطراف المعارضة التي وجدت نفسها في سوق بخس لمصالح الكبار والصغار، إلا أن الحقيقة الراسخة هي أن الإدارة الأميركية ليس في أجندتها تغيير النظام السوري وهي مستعدة لبيع كل مفردات قائمة حقوق الإنسان وموت وتشريد الملايين من أجل مصالحها ومصالح إسرائيل في المنطقة، ولهذا نجد تسارع إدارة أوباما إلى مقايضة قضية إزاحة نظام بشار بملف السلاح الكيماوي الذي يهم إسرائيل.

ويبدو أن جريمة غوطة دمشق قد وفرت فرصة ذهبية لجميع الأطراف النافذة بالقضية السورية لإعادة ترتيب الأولويات بعيدا عن قاموس القيم والأخلاقيات، وقفزت من خلالها موسكو إلى موقع الحريص على مصالح إسرائيل الاستراتيجية في المنطقة لإدارتها ملف تدمير قوة الردع الاستراتيجية لما قيل عنه آخر قلاع المقاومة والممانعة «سوريا»، ويعيد للذاكرة القريبة تسليم القذافي لجميع برامج أسلحة الدمار الشامل للغرب ولأميركا لكنها لم تحمه من غضب الشعب ومن مصيره النهائي.

ولعل سياسة النظام في التسليم السريع لهذه الورقة لا ينم عن ذكاء بفكرة «إسقاط الذرائع» لدرء الضربة العسكرية لأن معركته الحقيقية ليست خارجية، وإنما هو يواجه ثورة مسلحة منذ أكثر من عامين.

ويبدو أن الأميركان والروس قد ربحا نقاط اقتراب فيما بينهما وقد تكون الخطوة المقبلة كنتيجة لهذا التفاهم الاتفاق على حل سياسي يزيح بشار من السلطة المعرقل الحالي لأي حل هو ومجموعته وتسليم السلطة لحكومة انتقالية مشتركة، وهو مطلب المعارضة السورية وإعادة ملايين المشردين إلى بيوتهم إن بقيت لهم بيوت.

* كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

العالم الآن

:: اختيارات المحرر