الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

تغييب التكامل الثقافي

إنَ إخضاع الثقافة ومعها تنوّع الأشكال التي تعبّر بها عن مجتمعاتنا للهيمنة السياسية وتقلباتها ما فتئ يعمق سلبياته، وذلك منذ سنوات، تصفيح الحدود المزمن بين الجزائر والمغرب.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2014/11/28، العدد: 9752، ص(15)]

نظريا وتاريخيا تتمتع الدول المكوّنة للاتحاد المغاربي، المجمّد لسنوات طويلة مع الأسف، بالشخصية القاعدية المؤسسة على ركيزتين بارزتين وأساسيتين وهما: تراث التاريخ المتنوّع في التفاصيل والمتفاعل في الجوهر، والحساسية الوجدانية الشعبية ذات الخصائص المترابطة. إن هذين البعدين يستمدان فرادتهما من الانتماء الحضاري، والروحي، واللغوي والجوار الجغرافي. رغم توفر هذه الأبعاد المشكلة للبنية المغاربية العميقة فإن العلاقات الثقافية بين دول هذا الاتحاد الصوري كانت ولا تزال محتشمة.

وفي الواقع فإن مشكلة تغييب التبادل الثقافي بين الدول المغاربية ليس ظاهرة استثنائية معلقة في الفراغ، وإنما هي نتاج لوضع معقد يتمثل في إخضاع الشأن الفكري والثقافي والفني للتجاذبات السياسية الأمر الذي يقصي مواطنينا من مسرح المشاركة في تخصيب التفاعل الروحي وبناء وتنسيق أشكال التعاون لإعادة الروح إلى جسد المتَحد الوجداني التاريخي المغاربي. وفي الواقع فإن تكريس التشرذم والعزل الثقافيين في الفضاء المغاربي قد أديا بمؤسسات المجتمع المدني مثل اتحادات الكتاب والأدباء، والجمعيات والروابط الفنية والعلمية إلى التشظي والتمركز في القفص القطري.

كما أن مؤسسات النشر والتوزيع بما فيها الحكومية وكل ما يعلق بالإنتاج الفكري والأدبي والفني، مثل حقول المسرح والسينما والموسيقي، وكذلك الصناعات التقليدية بكل أنواعها تعاني مجتمعة من التشظي والتضييق عليها. من المفترض أن تكون هذه المؤسسات جميعا بمثابة الفضاءات التي تصنع فيها القوة الناعمة فيداخل نسيج الاتحاد المغاربي علما أنه لو تحقق هذا التكامل المغاربي الفكري والثقافي والفني المطلوب شعبيا، تكوينا وإبداعا وتمويلا ورعاية وتوزيعا محليا وإقليميا ودوليا لتمكننا من بناء ما يدعى بالقوة الناعمة الحضارية، التي أصبحت في عصرنا الشرط الضروري لإحراز التقدم وممارسة التأثير في عالمنا المعاصر، والتي تعتبر أيضا السلاح الحضاري في معركة التنمية المادية والروحية.

إنَ إخضاع الثقافة ومعها تنوّع الأشكال التي تعبّر بها عن مجتمعاتنا للهيمنة السياسية وتقلباتها ما فتئ يعمق سلبياته، وذلك منذ سنوات، تصفيح الحدود المزمن بين الجزائر والمغرب جرَاء تعنت النظام الجزائري. إن هذا الوضع القائم المتمثل في سدّ الحدود، وفي محاصرة الثقافة والفكر والفن، وفي إقصاء التكامل المغاربي في كل هذه المجالات الحيوية هو وضع شاذ ومدمّر للعلاقات الشعبية التاريخية وللتبادل الاقتصادي وللروابط الثقافية والروحية في آن واحد.

كاتب من الجزائر

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر