الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

ألو رقّة الرشيد

قبل يومين ماتت الشحرورة صباح، وطوت معها عصراً كاملاً من الطرب والجمال والغنج، وبقيت أيقونتها في ذاكرة الناس وقلوبهم وآذانهم، لا تتكرّر.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/11/28، العدد: 9752، ص(24)]

أطلق أحد أصدقائه لحيته وكان قصير القامة، فكتب عبدالسلام العجيلي شعراً يقول: “تبارك الله ذقـنُ الشيـخ مزهـرةٌ/ كأنّما في ثراهـا أينــعَ الفولُ/ في عرضها عوضٌ يغنيكَ عن قصرٍ/قد ضرّ طولك، ماذا ينفع الطولُ؟”، كما نقلت شهلا العجيلي عنه.

قبل يومين ماتت الشحرورة صباح، وطوت معها عصراً كاملاً من الطرب والجمال والغنج، وبقيت أيقونتها في ذاكرة الناس وقلوبهم وآذانهم، لا تتكرّر. وفي يوم موتها، كان بلدٌ في سوريا، على نهر الفرات العظيم، نهر الدم والذهب، يرفع أطياف أكثر من مئتي طفل وامرأة وشيخ، قتلوا بلا ذنب في مجزرة جديدة من مجازر الأسد.

“ألو بيروت” أغنية صباح، غطّت على دخان الرقّة، فلم يقل أحدٌ ما الذي يحدث في مدينة مسوّرة بالتراب العباسي القديم، كان هارون الرشيد يقضي صيفه على شواطئها، وبقيت آمنة منذ مات الرشيد حتى عهد الأسدـ داعش، ولم يفكّر أحدٌ في كسر وداعتها ورهافة اسمها “الرقّة”، ومنها خرج الكاتب الكبير عبدالسلام العجيلي والشاعر إبراهيم الجرادي، والروائي إبراهيم الخليل، وآخرون كبار وشباب حفروا علاماتهم في الوعي والذاكرة.

تموت صباح بحرية، بعد عمر طويل، وتقول في مقابلاتها التلفزيونية عن حريتها تلك حتى في الالتزام الديني: “كل الذين تزوجتهم تزوجتهم حسب أديانهم، فحين أتزوج المسلم أتزوجه على الطريقة الإسلامية وحين أتزوج المسيحي أتزوجه على الطريقة المسيحية، وهكذا”، نعم وهكذا، ولكن أهل الرقة لا يختارون أياً من تلك الحريات، لا الحيوية ولا الفنائية.

كان العجيلي نائباً في البرلمان عن مدينة الرقة في العام 1947، وقاصاً ووزيراً للثقافة والخارجية والإعلام، وطبيباً ومفكراً ساخراً، وإنساناً عابراً للأمزجة، ترك الكثير مما يبهج النفوس في لحظات الرقة الصعبة، من شعره الضاحك، كما حين كتب على منفضة سجائر اشتراها من باريس أهداها إلى صبيّة في زمنه: “إذا دخّنتِ يوماً فاذكرينــي/ ولكن باعدي عنّي الرمادا/أحبّ النار تحرقُ غيرَ أنّي/ أحاذرُ من مغبّتها اسودادا”. وكان العجيلي قد حطّم الرقم القياسي في العالم بالكتابة تحت أسماء مستعارة فكتب تحت أكثر من 120 اسماً وهمياً، وأسس “عصبة الساخرين” وترجمت أعماله إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة عالمية، وحين عالج، كطبيب، ذراع أحد الأشخاص كتب له على جبيرته: “يا كاسراً قلب المحبّ أما ترى/ أيّ العـذاب يحـلّ بالمكسورِ؟ /فارحم فؤاداً بالجفـا حطّمـته/ واجبر بوصلٍ مهجة المهجورِ”.

يروي العجيلي نفسه حين أجرى معه الإعلامي القدير شريف العلمي حواراً لإذاعة الكويت فيقول: “فذكرت له مقولة لتشيخوف، فأوقف التسجيل، وقال لي: (أرجوك، في الكويت لا يقبلون استخدام كلمة “عشيقتي”)، فقلت له نقول: (خليلتي)، قال: (ولا هذه)، قلت: (صديقتي). قال: (هذه مقبولة)، ثم حين أجرت معي إحدى الصحف في لندن حواراً ظهر المانشيت على الشكل التالي: (عبد السلام العجيلي: الطب زوجتي والأدب صديقي) فضاع المعنى”، وكان العجيلي يقصد أن ما أراد قوله حوّلته الرقابة إلى حب من نوع آخر، لا يختلف كثيراً عن حب صباح ونظريتها في الزواج.

كتب العجيلي في كتابه “قناديل إشبيلية” عن أبي قلادة العربي، الذي ضيّع حاضره في استغراقه في ماضيه، كان هذا قبل أكثر من ستين عاماً، لم يتغيّر فيها شيء، فالحاضر ما يزال مأسوراً للماضي مختنقاً فيه في بيروت وفي الرقة معاً.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

:: اختيارات المحرر