الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

السوري الأكثر لبنانية من اللبنانيين

خاض عقل معاركه الأدبية بقوة مدعوما بموهبة كبيرة وطاقة خلاقة على الإبداع، بينما كانت معاركه السياسية هي الأكثر عرضة للهجوم والإدانة سواء فيما يتعلق بفنيقيته أو نزعته القومية اللبنانية المتطرفة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/11/30، العدد: 9754، ص(16)]

بعد رحلة طويلة وثرية مع الشعر ترجل أخيرا سعيدعقل عن صهوة الشعر، فكان آخر رواد الكلاسيكية الجديدة في الشعر العربي الحديث، الذين يطوون برحليهم الصفحة الأخيرة والأهم في تاريخ هذه الحركة، وأهم الآباء الروحيين للنزعة الفنيقية والقومية اللبنانية، التي حاول أن يذهب بدلالاتها إلى أقصى درجات الوجد والتصوف، ما جعله يمثل أكثر دعاتها والمنظرين الأيديولوجيين لها تطرفا ومغالاة، كما تجلى ذلك في أبوته الروحية لحزب حراس الأرز الذي لعب دورا خطيرا في الحرب اللبنانية، إضافة إلى دعوته إلى استبدال اللغة العربية الفصحى باللغة اللبنانية المحكية، التي كتب قصائد ديوان الخماسيات بها، ليعود في ديوان خماسيات الصبا إلى كتابة قصائده باللغة العربية الفصحى ثانية.

الصانع الماهر

ينتمي عقل في أصوله إلى أسرة سورية هاجرت من قرية في جنوب سوريا إلى مدينة زحلة، التي ولد فيها عام 1912، ونشأ مفتونا بسحر طبيعتها وجمالها. انشغل منذ مرحلة مبكرة بصورة أساسية بالمعرفة والعلم والفن والفلسفة، بينما شكل اللاهوت المسيحي إلى جانب التراث الفنيقي أحد أهم عوامل التأثير في فكره ومواقفه وشعره.

تأثر بالاتجاه الرمزي في الشعر الفرنسي، لا سيما عند الشاعر الفرنسي بول فاليري، وكان أهم الشعراء الذين أدخلوا الرمزية إلى الشعر العربي. عمل في مجالي التعليم والصحافة، لكن الشعر ظل الميدان الأرحب الذي انطلق فيه بشعره محاولا أن يعيد للشعر قوته وجماله وسحر قوافيه، حتى اعتبر أحد الأعمدة الأساسية للقصيدة التقليدية، التي اكتسبت روحا جديدة تجعلها أكثر استلهاما وتمثلا لروح الحياة الجديدة.

درس ودرَّس تاريخ الفكر اللبناني واللاهوت المسيحي الذي تعمق فيه كثيرا حتى أصبح مرجعا فيه، إلى جانب دراسته لتاريخ الإسلام وفقهه حاول أن يبث خلاصتها الروحية والجمالية، في قصيدتي غنيت مكة وزهرة المدائن. لم يعترف عقل برمزيته لأنه اعتبر نفسه فوق الرمزية، بوصفه يمثل خلاصة لجميع مدارس الشعر في العالم. هذا الموقع المتقدم الذي احتله عقل في تاريخ القصيدة العمودية، جاء تجسيدا لما تميزت به قصيدته من بنية لغوية ومجازية قوية التركيب والصياغة تدل على صائغ ماهرعرف كيف يطوع اللغة ويقودها للتعبير عما يريد أن يقوله، وأن يعبر عنه، بعد أن ظلت الشام بما تمثله من معاني حضارية وتاريخية كبيرة في فكره وعقيدته قِبلة هواه، وأيقونته الروحية، التي راح يتغنى بمجدها وسحرها وتاريخها في قصائد كثيرة تعتبر من أفضل ما كتبه (قرأت مجدك- سائليني- شآم يا ذا السيف- بالغار كللت…) وقد زاد من روعتها وسحرها صوت المطربة الكبيرة فيروز التي غنت العديد من قصائده (يارا- بحبم ما بعرف- أمي يا ملاكي).
لقد طوى الموت مع رحيل عقل حقبة هامة من تاريخ الشعرية العربية والفكر الانعزالي اللبناني الذي طالما عمل على تأطيره فكريا وتاريخيا

ظل عقل في مواقفه السياسية والشعرية موضع جدل كبير بين أنصار التقليد وأنصار الحداثة في الشعر، أو بين ذوي الاتجاهات القومية واليسارية والاتجاه اللبناني- الفنيقي، بسبب ما تميزت به مواقفه من تطرف ومغالاة حتى في علاقته باللغة العربية التي اعتبر نفسه الربان الماهر، الذي يعرف كيف يقودها حيث يريد وكيفما يريد.

آمن بالشعر والجمال

عكس الراحل في تجربته الغنية تلك الروح الصافية والمبدعة التي طالما آمنت بالشعر والجمال، فرفعتهما إلى مصاف عالية، حاولت من خلال تجربتها أن تتمثل روحهما الوثابة وخيالهما الجامح وسحرهما الذي عرف كيف يذهب بهما إلى ينابيعهما الأولى، لكي يعيد لهما روح الإبداع وكماله كما كان يقول دائما.

لقد أخلص للشعر وأعطاه جل ما يستطيع من إحساس متدفق، ومن قوة وجزالة في القوافي والتعبير، وحضور راسخ جعلته أحد أهم رموز الكلاسيكية الجديدة، التي عملت على تطوير القصيدة العمودية من داخل بنيتها التي أراد لها أن تتجدد لكي تثبت قدرتها على الحياة والتجدد، وأنها لم تستنفد طاقتها الإبداعية والجمالية. غنى للمرأة والجمال بعذوبة صافية، ولم تعرف قصائده لغة الحزن والبكاء.

وهكذا خاض عقل معاركه الأدبية بقوة مدعوما بموهبة كبيرة وطاقة خلاقة على الإبداع، بينما كانت معاركه السياسية هي الأكثر عرضة للهجوم والإدانة سواء فيما يتعلق بفنيقيته أو نزعته القومية اللبنانية المتطرفة، أو موقفه من الوجود الفلسطيني في لبنان، وتأييده للاجتياح الإسرائيلي عام 1982 بهدف القضاء على الثورة الفلسطينية.

لقد طوى الموت مع رحيل عقل حقبة هامة من تاريخ الشعرية العربية والفكر الانعزالي اللبناني الذي طالما عمل على تأطيره فكريا وتاريخيا، الأمر الذي يجعل أية كتابة عن سعيد عقل في هذه اللحظة الختامية من مسيرته الطويلة والحافلة التي استمرت مئة وعامين، لا بدّ أن تكون استحضارا لكل هذا التاريخ وهذه المواقف التي كان يؤمن بها ويدافع عنها بقوة وحماس، استطاع من خلال المكانة التي يمثلها أن تثير الكثير من الجدل حولها وأن تجعل منه خصما للكثيرين من أصحاب الفكر السياسي أو فكر الحداثة، ورمزا لأصحاب الاتجاه القومي اللبناني، الذين نظروا للبنان كأنه واحة معزولة عن محيطها الحضاري العربي، وكأن الشام بتعبيرها الجغرافي المعروف لم تكن أيقونة الشرق كله.

ناقد من سوريا مقيم في أبوظبي

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر