الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الشهداء يقتلون مرتين والمصابون يحترقون بنار الثورة

'عودوا إلى مقاعدكم'. قالها القاضي بصدق، ليؤكد لنا خيبتنا، وهواننا على أنفسنا، فنصف ثورة تمنح الطغاة مناعة، نار تحرق المشاركين فيها، لأنهم فشلوا في السيطرة عليها.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/12/02، العدد: 9756، ص(8)]

"... عودوا إلى مقاعدكم". جملة عفوية وجهها القاضي محمود الرشيدي، إلى وزير داخلية حسني مبارك وستة من معاونيه وابنيه عند النطق بالبراءة في “قضية القرن” (السبت 29 نوفمبر 2014). لم يغادر المتهمون مقاعدهم لكي ينصحهم القاضي الرحيم بالعودة إليها، وليس من مهام القاضي توجيه مثل هذا الأمر إلا من باب الشفقة، فلا نعلم أن له قريبا استشهد على أيدي الشرطة في “جمعة الغضب” 28 يناير 2011.

“…عودوا إلى مقاعدكم”.

جملة قالها القاضي، وأغلق بها ملف القضية، نيابة عن متآمرين على الثورة وسذج وأبرياء استبعدوا فكرة المحاكم الاستثنائية، عقب خلع مبارك، ورفضوا أن يحاكم سياسيا على بيع الوطن ورهنه وتخريبه. يستوي في هذا التواطؤ المجلس الأعلى للقوات المسلحة “مجلس طنطاوي”، وطارق البشري ومحمد البرادعي والسلفيون والإخوان، بل إن عصام العريان طالب أهالي الشهداء بقبول الدية، ثم وعد المرشح الرئاسي محمد مرسي بإعادة محاكمة مبارك، ولم يفعل، ثم برر الإعلان الدستوري (21 نوفمبر 2012) بإعادة محاكمة قتلة الثوار، ولم يفعل، فلا نعلم أن بين شهداء 25 يناير إخوانيا.

“…عودوا إلى مقاعدكم”.

جملة القاضي لا تختلف عن مقدمات المحاكمة. في “جمعة المحاكمة” (8 أبريل 2011) فوجئ الجنرالات بمطالبة ميدان التحرير بمحاكمة مبارك. يسجل رئيس تحرير “الأهرام” الأسبق عبدالعظيم حماد في كتابه “الثورة التائهة.. صراع الخوذة واللحية والميدان” أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قابل المطالبات بمحاكمة مبارك “باندهاش ثم استياء كبير”، وأن عضو المجلس اللواء مختار الملا قال له: “فاتنا أن نعقد اتفاقا مع مبارك على عدم الملاحقة القضائية.. ونعلنه للمتظاهرين ليلة 11 فبراير”. باستثناءات تاريخية نادرة، تؤكد القاعدة، يرفض مثلث “العسكر والقضاة والكهنة” المشاركة في الثورات، ولا نعلم أن من بين الشهداء قريبا لأحدهم.

“…عودوا إلى مقاعدكم”.

جملة القاضي التي مهد لها بحديث نبوي، تثير الشكوك، وكان عليه أن يضيف القول المأثور: “يكاد المريب يقول: خذوني”. ضعها بجوار قرار النائب العام (2 يونيو 2011) إحالة مبارك إلى محكمة الجنايات بتهمة “قتل المتظاهرين”، والحكم السابق للقاضي أحمد رفعت (2 يونيو 2012) بمعاقبة مبارك بالسجن المؤبد بتهمة “الامتناع عن حماية المتظاهرين”، وأضف إليها شهادة عمر سليمان نائب مبارك، في جلسة سرية (13 سبتمبر 2011)، حيث زفّت صحيفة “الأخبار” الحكومية البشرى لقرائها، أيام مزايدة رئيس تحريرها آنذاك والذي عاد إلى مقعده مضافا إليه منصب رئيس مجلس الإدارة: “نحن ننفرد بأدلة إدانة الرئيس السابق: شهادة عمر سليمان أكدت تورط مبارك في قتل الثوار.. كنت أنقل له كل ساعة تقارير (حبيب) العادلي من إطلاق الرصاص الحي والمطاطي على المتظاهرين.. كان على علم بكل رصاصة أطلقت.. لم يعترض ولم يأمر بوقف إطلاق النار على الجماهير”، ولا نعلم أن لرئيس التحرير عابر الثورات والعصور قريبا استشهد في الثورة.

“…عودوا إلى مقاعدكم”.

جملة قاض خصّ إبراهيم عيسى، دون الصحفيين، بالاستدعاء للشهادة، واعتبرته المحكمة “شاهد إثبات”، ويفترض لتحقيق أبسط شروط العدل أن يكون الشاهد “شاهدا”، شريكا، لا مجرد شخص يدلي برأي. قال عيسي: “وزارة الداخلية لو استخدمت الأسلحة النارية لوقع آلاف القتلى.. لم يشاهد مع الشرطة سوى بنادق الغاز”. ولا أظن هذين الصحفيين يجهلان قتل زميلهما أحمد محمود الصحفي بالأهرام. كان يقف في شرفة مكتبه القريب من وزارة الداخلية، يوم السبت 29 يناير 2011، وسارع إلى توثيق إطلاق النار بكاميرا تليفونه المحمول، ولم تغفل عنه عيون الصقور في الوزارة. لم يطلق أحدهم بالقرب منه طلقة تحذير، بل عاجلته رصاصة قناص، قاتل محترف يعرف ماذا يفعل الضحية، فأخرس صوته. اخترقت الرصاصة العين اليمنى وسببت نزيفا حادا في المخ، أدى إلى غيبوبة لازمته حتى وفاته بعد أيام. صلينا عليه صلاة الجنازة في ميدان التحرير (الجمعة 4 فبراير 2011). وفي وقت لاحق تحدث نقيب الصحفيين “المخلوع” مكرم محمد أحمد مع زوجة الشهيد عن تعويض مناسب، ورفض التضامن معها ضد قتلة زوجها: “لن أدخل في تحقيقات ضد الشرطة”، ولكن أحمد محمود ليس قريبا لياسر رزق أو لإبراهيم عيسى.

“…عودوا إلى مقاعدكم”.

قالها بضمير مستريح القاضي الذي يعرف جيدا جغرافيا ميدان التحرير، حيث يخلو الميدان ومحيطه ومنطقة وسط البلد من مراكز للشرطة، فلم يسقط شهيد وهو يحاول اقتحام مركز شرطة، لكي يقتله “ضابط شريف” دفاعا عن النفس. يسجل كتاب “شهداء ثورة 25 يناير”، الذي أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان، أسماء 841 شهيدا خلال 18 يوما، وأسماء نحو 190 متهما بالقتل. في جمعة الغضب استشهد 551 مصريا. يذكر الكتاب أن بعض أهالي الشهداء تعرضوا لمساومات، من قبل ضباط متهمين بالقتل، للتنازل عن القضايا، وكيف قاموا “بتهديدهم للضغط عليهم بإغراءات مادية وصل ثمن الشهيد فيها مبلغ 30 ألف جنيه والمصاب وصل مبلغه إلى 15 ألف جنيه”، وبعضهم نال 50 ألف جنيه مقابل التنازل عن الدعوى. وفي الإسكندرية طالب بعض رموز الدعوة السلفية البارزين “أهالي الشهداء والمصابين بالتنازل عن حق دماء شهداء الإسكندرية مقابل الدية”، ولا يعلم القاضي الذي استراح ضميره أنه بهذا الحكم يلقي اللوم على الضحايا.

“…عودوا إلى مقاعدكم”.

قالها القاضي بصدق، ليؤكد لنا خيبتنا، وهواننا على أنفسنا، فنصف ثورة تمنح الطغاة مناعة، نار تحرق المشاركين فيها، لأنهم فشلوا في السيطرة عليها.

“…عودوا إلى مقاعدكم”.

قالها القاضي للقتلة، ونسي أن يتوجه إلى أهالي الشهداء والمصابين والحالمين بالعدل والحرية بأبيات مظفر النواب:

تعالوا نتحاكم قدام الصحراء العربية كي تحكم فينا

اعترف الآن أمام الصحراء بأني مبتذل وبذيء كهزيمتكم.

يا شرفاء المهزومين

ويا حكام المهزومين

ويا جمهورا مهزوما

ما أوسخنا.. ما أوسخنا.. ما أوسخنا

ونكابر ما أوسخنا

لا أستثني أحدا. هل تعترفون؟

يا جمهورا في الليل يداوم في قبو

مؤسسة الحزن

سنصبح نحن يهود التاريخ

ونعوي في الصحراء بلا مأوى

هل وطن تحكمه الأفخاذ الملكية؟

هذا وطن أم مبغى؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر