الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

المنطقة المغاربية 'الفاشلة' وألغام التقسيمات

واشنطن تلعب مع 'داعش' لعبة 'التطويع' والتجييروإعادته قسرا وجبرا إلى سياق الاستراتيجية الأميركية الكبرى دون سعي لاجتثاثه أو استئصاله من المشهد الجغرافي في المنطقة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2014/12/02، العدد: 9756، ص(9)]

في خضمّ الشد السياسي والجذب الانتخابي خلال الدور الثاني للاستحقاق الرئاسي في تونس، وفي ظل الانكباب الرسمي والسياسي والشعبي على متابعة الطور الانتخابي الثاني قصد تأمين الانتقال الديمقراطي في البلاد، تحصل 3 أحداث غاية في الأهمية والتأثير داخل تونس والمنطقة المغاربية ككل:

1 - تقدم الولايات المتحدة الأميركية بطلب رسمي للجزائر ومصر بالمساعدة في التدخل العسكري الأممي لضرب الإرهاب المتفشي في ليبيا، إضافة إلى طلب ثان يقضي بتقديم العاصمتين لدعم لوجستي كامل للمقاتلات الأميركية خلال طلعاتها الجوية فوق ليبيا.

2 - نشر القوات الجزائرية لسلاحها الثقيل ولعناصر النخبة واستنفار المقاتلات الجوية على طول الحدود البرية مع ليبيا.

3 - التأجيج الجهوي والمناطقي لإثارة النعرات القبلية- ما قبل الدولة- من طرف جهات سياسيّة تونسية تتدثّر بعناوين مضلّلة.

تفكيك وإعادة تركيب المشهد الإقليمي المغاربي يشير إلى أنّ المنطقة المغاربية مقبلة على تدخّل عسكري دولي متذرّع بشعارات محاربة الدواعش في ليبيا يكون تمهيدا لإفراز دول فاشلة في شمال أفريقيا تحمل “ألغام” التقسيمات الجهويّة في تونس، والانفصالات الاثنيّة في الجزائر وليبيا.

ولأنّ واشنطن تتعامل بمنتهى “النفعية” و”البراغماتية” مع الجماعات الإرهابيّة سواء من خلال “التحالف” أو “التخالف”، فيبدو أنّها بدأت تفكر جديا في التمركز العسكريّ وإقامة قواعد عسكرية دائمة في شمال أفريقيا عامة تؤمنّ لها بسط نفوذها على الثروات الباطنية البترولية والغازية في المنطقة وذلك عبر أسلوبين اثنين، الأوّل متمثّل في تعميم نموذج الدولة الفاشلة في دول شمال أفريقيا بعد أن عمّ سرطان “الدولة الفاشلة” مناطق شرق آسيا والشرق الأوسط ومنطقة الساحل الأفريقي، أمّا الثاني فيكون بإحياء “الأقليات” الاثنية المسيّسة في المنطقة قصد الترويج لمشروع “تقسيم المقسّم” و“تجزئة المجزأ”.

لذا فليس من الغريب أبدا أن يستبق برنار هنري ليفي “التدخل الدولي” بزيارة إلى تونس كان من المقرر أن يلتقي خلالها فعاليات “أمازيغية” جزائريّة متطرفة، وليس من الغريب أيضا أن تشتعل الدعوات المناطقيّة في تونس بتحريض من ذات الأطراف السياسية التونسية التي تقاطعت -ولا تزال- مع رؤى ومقاربات برنار ليفي في ليبيا وسوريا والعراق، وليس من المستغرب أيضا أن تأخذ دعوات التظاهر في مصر ضد الرئيس عبدالفتاح السيسي منحى تصعيديا خطيرا في الدقائق الأخيرة قبل الساعة الصفر للتدخل العسكري الدولي في ليبيا.

وبعيدا عن خطاب التآمر وبمنأى عن فلسفة التقوقع صلب مقولات تفسيرية ضعيفة حيال الآخر، فإنّ ذات السيناريو هو الحاصل حاليا في العراق وسوريا حيث تكمل مقاتلات التحالف الدولي ما بدأه “داعش” من ضرب لمقومات الدولة الوطنية الجريحة في سوريا ومقدرات العراق المثخن بجراح الاحتلال والدمار، وحيث تلعب واشنطن مع “داعش” لعبة “التطويع” والتجيير وإعادته قسرا إلى سياق الاستراتيجية الأميركية الكبرى دون سعي لاجتثاثه أو استئصاله من المنطقة، قد يتكرر في شمال أفريقيا لا فقط لـ“عرقنة” ليبيا و“أنسنة” التدخل الدولي بما يعنيه من خرق واضح للسيادة الوطنية، وإنّما -وهذا هو الأخطر- لأنّ المشروع حاليا كامن في التحوّل من نموذج الدولة الفاشلة إلى “المنطقة الفاشلة” وهي الوصفة القادرة على “تأبيد” المصالح الأميركية الاقتصادية والتجارية والنفطية والاستراتيجية في مناطق عديدة من العالم تبدأ من الخليج العربي و”العراق وسوريا”، وتمتدّ إلى “أوكرانيا” ولا تنتهي عند شمال أفريقيا.

الواضح أنّ واشنطن- القوة العسكرية والتجارية- بدأت في تمهيد الطريق لخروج رئيس ديمقراطي من البيت الأبيض ولولاية رئيس جمهوري يوظف مقولات الحرب على الإرهاب وانحسار مطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان وأمن إسرائيل والحرب الباردة ضد روسيا والصين وضدّ العواصم “المفتولة” ماليا في الجنوب والشمال، لإتمام المهمّة الاستعمارية للرئيس السابق جورج بوش الابن، الذي كان يرغب في ولاية رئاسية ثالثة لإكمال حروب الإمبراطوريّة الأميركية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر