السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

متى يستقيل الوزير

متى يستقيل الوزير الذي تلاحقه الفضائح وشبهات نهب المال العام وتخريب الاقتصاد والممارسات غير القانونية، ومتى يعتذر للشعب وينحني له.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/12/05، العدد: 9759، ص(8)]

في العرف العام مـا الوزير إلا موظف خدمة عامة ولكن بدرجة رفيعة. ارتقاء في المنصب والمقام يستند إلى تراكم الخبرة والتاريخ الشخصي والمنجز الذي يجعل من شخص ما من الكفاءة ما يؤهله للوصول إلى قمة الهرم في السلطة التنفيذية في تخصص ما.

هذا هو السياق العام الذي لا يختلف عليه اثنان مما درجت عليه سنن الأولين والآخرين، فلم يكن الوزير يوما، ولا ينبغي أن يكون، رقما هامشيا ولا إنسانا أميا ولا جاهلا غبيا ولا أحمقا. لكن هذه المعايير سرعان ما تنقلب رأسا على عقب في عالمنا العربي، في أغلب بلدانه، فتقدم الكابينة الوزارية أشخاصا تم “توزيرهم” إما على أساس الانتماء للعائلة الحاكمة من الأهل والإخوان وأبناء العمومة والأصهار والأقرباء، أو على أساس الانتماء الطائفي والقبلي والاجتماعي، أو على أساس توزيع الغنائم على الأحزاب والطوائف، كما هو حاصل في العراق اليوم على سبيل المثال.

وما إن يشرع الوزير في القيام بمهام عمله حتى يبدأ، أول ما يبدأ، بتطويق نفسه بالأهل والأقارب وأبناء العمومة، بل إن مسؤولا عراقيا رفيعا ظل حتى الساعة مكرسا ولديه في مناصب وكيل وزارة لإدارة شؤون مكتبه، وينسحب الأمر على الغالبية العظمى من هؤلاء الذي اتبعوا طريق من هم من قبلهم حتى صار عرفا شائعا أن الوزارة ليست للشعب والبلد، بل للوزير وبطانته وقبيلته وحزبه والأقربين من أسرته.

هذا الواقع الخرب أنتج أنماطا رثة وهـزيلة مـن الأداء ليست مستغربة، فـالمقدمات تفصح عن الخواتيم والنتائج والنهايات، فما دام التأسيس وقبله الاختيار قائم على تلك الأسباب غير الصحيحة، فلا نستغرب أن تغرق الوزارات، تباعا، في الفشل وسوء الأداء وهدر الأموال والبطالة المقنعة لأن رأس هـرم الـوزارة مشغول بتكريـس وزاراتـه وميزانيتهـا لتحقيق منافعه ومنافع أسرته وقبيلته وحزبه، ثم يأتي الشعب وخدمته في ذيل القائمة في شكل مشاريع إما فاشلة أو وهمية، والقصص في العـراق خاصة كثيرة جدا ولا مجـال حتى لحصرها وكشـف تفاصيلهـا، ولو كتبت سيـرة وزارة ووزيـر إبان حكمـه لأربـع أو ثمان سنوات لقرأنا العجب العجاب.

من جهة أخرى هنالك ظاهرة تملص الوزير من أية مسؤولية أخلاقية أو اعتبارية، وهو شكل من أشكال التحدي والوقاحة غير المسبوقة، فأن يهرب وزير ما مع أسرته وحاشيته من العراق متلفعا بجوازه الأوروبي أو الأميركي، ومحملا بالمنهوبات من قوت اليتامى والأرامل ومن أموال الشعب، هو من أغرب ما يكون في تحد صارخ لكل القوانين والمعايير والاعتبارات، ومن هذا النموذج يمكن لأي عراقي أن يروي لك قصص هذه الثلة من الوزراء الفاسدين وبالأسماء والوقائع .

لقد أدى هذا الواقع إلى تسامح لا أخلاقي ولا وطني، شجع على استفحال الظاهرة إلى درجة خلق شعور عام أن هذا الذي فعله هؤلاء السراق من الوزراء هو القاعدة وهو الصحيح، وما عداه هو الخطأ والاستثناء، وأن الوزير ما لم تغص مكاتبه بأهله وأقاربه وأنسابه وعشيرته، فهو شاذ عن السائد وما لم تتبعه أفواج من هؤلاء في حله وترحاله فثمة خطأ ما، وما لم يشمل حزبه بمنحة مالية سنوية من ميزانية وزارته فهو حالة مستحيلة.

هذا الواقع أفضى إلى تلال متراكمة من الأخطاء والانحرافات والمخالفات القانونية والدستورية والأخلاقية غير المسبوقة، حتى صرنا إلى نمط خالص للوزير أنه (مصون وغير مسؤول) وزاد من قهر الشعب إطلاق لقب “معالي الوزير” بأمر ديواني من رئاسة الوزراء في العراق، فصار لقب “معالي الوزير” يُطلق إجبارا وقسرا وجورا على وزراء سراق، ووزراء طائفيين، ووزراء فاشلين، ووزراء أميين، ووزراء لا ولاء لهم لوطنهم، فالولاء للعائلة فالعشيرة فالحزب يسبق كل شيء.

هذا الواقع المزري قدم صورا فضائحية فظيعة من أشكال الفشل والتردي خاصة في الوزارات الخدمية الثرية ذات الميزانيات الهائلة، وظل الناس لسنوات يتساءلون عن مصير الملايين والمليارات في قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم العالي والتربية والتجارة والبلديات وغيرها، حتى صار العراق يحتل صدارة الدول الأكثر فسادا في العالم. وليس بعيدا عن مكتب الوزير تجري، جهارا نهارا، المساومات وتبادل المنافع والرشاوى وتقسيم العقود المليارية على من يرضى عنهم الوزير من شركات أسسها الوزير لأهله وإخوانه وأقربائه.

بموازاة ذلك ما يرتكبه أبناء أو إخوة أو أقارب الوزير من أفعال يصل بعضها مرتبة الأفعال الجنائية الخطيرة، فلا يرف للوزير جفن ولا يعتذر للشعب، فما بالك بالسؤال؛ متى يمكن للوزير أن يستقيل؟

إنه سؤال لا إجابة عنه بالمطلق، فلا توجد أخلاقيات عمل مقترنة بالضمير تدفع هذا الوزير، أو ذاك، للاستقالة بل إننا شهدنا، على العكس من ذلك، رؤساء وزارات ضربوا المثل الأعلى في التشبث بالمنصب والامتناع عن التنحي مهما كلف ذلك البلد من ضحايا وخسائر جسام.

فمتى يستقيل الوزير الذي تلاحقه الفضائح وشبهات نهب المال العام وتخريب الاقتصاد والممارسات غير القانونية، ومتى يعتذر للشعب وينحني له؟ أسئلة كهذه لا وجود لها في قاموس “أصحاب المعالي” الذين جاء أغلبهم من ظروف الحرمان من جميع المستويات، وإذا بهم يتحولون إلى أباطرة وأثرياء، دون أن يجرؤ لا قانون وضعي ولا سماوي، ولا سلطة على سؤالهم: من أين لك هذا؟

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر