الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

سياج الياسمين

في المغرب لم ينتقم أحدٌ من أحد، مضوا إلى الأمام، في المشرق لم يفهموا هذا، بينما فهمه معن نظام الدين قديماً، حين فكّر في سياجٍ لا يُقهر، سياجٍ قوي متين من الياسمين.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/12/08، العدد: 9762، ص(24)]

كان معن نظام الدين مثقفا من نوع خاص، ظنّ أنه أميرٌ من الشرق، فتصرّف كذلك، ما يزال طيفه يزور كرسّيه في مطعم “النورماندي” المغلق في دمشق، ويتردّد آخر الليل على ساحة يوسف العظمة الموحشة، برفعة وتعالٍ، عاش معن حياة مترفة، خدمه فيها الآخرون، بينما تفرّغ هو للشعر والعيش، وترك مخطوطات لم تنشر، كان يسخر من كل ما عبر أمامه، سلطاناً كان أم إنساناً، كان يقول لي إن أجمل شعر عرفه هو شعر ابن بلده الشاعر الكبير محمد الفراتي الذي قال: “أروني امرأً فوق البسيطة سيّداً/فلستُ أرى فوق البسيطة سيّدا/أروني امرأً حُرّاً على الأرض واحداً/فلستُ أرى إلا أسيراً مُقيّدا/بهذا قضى حُكم الطبيعة أنني/أعيشُ بطبعي على الدنيا مُصَفّداً”.

عاش معن بعثياً اشتراكياً بعقلٍ إقطاعي، فكتب عملاً درامياً سباقاً عن صلاح الدين الأيوبي، وعدداً كبيراً من المسلسلات الإذاعية، وكان من أهم أعماله مسلسل “سياج الياسمين”، تمتّع معن بروح شجاعة خلاقة، لكنه كان شديد القسوة على نفسه وعلى الآخرين، نفتقده اليوم، لأنه لو كان حياً لسخر من ثورات العرب ومن الدكتاتوريات في الوقت نفسه، وكان سيعتبر أن العرب أمّة افتراضية تعيش في الكتب والثقافة، وأن لا مكان لها في الواقع، بسبب الجهل وحده.

ولأن الجهل فاشٍ في الناس اليوم حاله حال الهواء، سيما مع ظهور نتائج مراحل العدالة الانتقالية في بعض البلدان، فقد ذكّرني ابن معن البكر الصديق الكاتب سهيل نظام الدين، بحكاية رجلٍ تورّط ورطة كبيرة ذات مرة، فلجأ إلى الحسن البصري فقال: “يا أبا سعيد إني حلفتُ بالطلاق أن الحجّاج بن يوسف الثقفي في النار فما تقول، أقيمُ مع إمرأتي أم أعتزلها”، فقال له: “قد كان الحجاج فاجراً فاسقاً وما أدري ما أقول لك، إن رحمة الله وسعت كل شيء”، ثم ذهب الرجل إلى محمد بن سيرين فأخبره بما حلف فقال له كما قال الحسن، ثم ذهب أخيراً إلى عمرو بن عبيد فقال له: “اذهبْ يا رجل وأقم مع زوجتك، فإن الله إنْ غفر للحجاج، فلن يضرّك الزنا”.

وحين أعلن القاضي المصري براءة مبارك والعادلي ومن معهما، كان أكثر ما انتشر بين الناس قولهم: “مبارك بريء براءة الذئب من دم يوسف”! وما دام الجهل سيّد الأحكام، فقد نحتاج لخمسة آلاف سنة أخرى بعد أن مرّت خمسة آلاف على قصة يوسف وما يزال الناس يظنون أن الذئب مدانٌ بقتله، مع أنه كان قد اتضح أن إخوته هم من تآمروا عليه وألقوه في بئر الظلام.

الثأر جهل، والانتقام جهل، والمشرق اختارت فئات منه أن تنتقم بدلاً عن أن تعيد الحق، وليس من هدف الثورات إهانة المراحل السابقة والتنكيل بها، حتى لا تعود مجدداً بعقل ثأري وانتقامي فتبتلع تلك الثورات وتقضي عليها في حرب وجود لا آخر لها، فالمحاسبة ليست الاحتقار والتشفّي والاجتثاث، المحاسبة هي العدل وحده.

في المغرب لم ينتقم أحدٌ من أحد، مضوا إلى الأمام، في المشرق لم يفهموا هذا، بينما فهمه معن نظام الدين قديماً، حين فكّر في سياجٍ لا يُقهر، سياجٍ قوي متين من الياسمين.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر