الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الفضائيون في حضن الوطن

كانت الحكومة تشرع لوجود الفضائيين وتبرر لهم الحق في الوجود في أحضان الوطن، ماداموا جزءا من منظومة الولاء والوفاء للزعيم أو المسؤول.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/12/11، العدد: 9765، ص(9)]

عندما تبحث في سيرة الأوطان، الأوطان الافتراضية كما الحقيقية، تجد أنه ثمة قاسم مشترك هو ذلك “المواطن”، الأداة والغاية والوسيلة والنواة الصلبة ونقطة الالتقاء لقيم العدالة والمساواة وسائر حقوق المواطنة، ولكنه بتكوين فيزيائي بملء السمع والبصر، خلق في فضاء الوطن وأفيائه وشرب ماءه وتربى على قيمه، حتى صار إلى ما صار عليه واحتفى به الوطن جماعيا، وصار له مواطنون رائعون طيبون مثابرون ومنتجون ردوا الدين للوطن وما أعطاه على مر العقود.

في المقابل كان هنالك مواطن افتراضي، مواطن كثرت فيه التوصيفات، هو الغاية والوسيلة في آن واحد، وهو غاية آمال هذه الحكومة الافتراضية، حتى أمعنت في المواطن مديحا، وأسمعته قصائد الغزل والمطولات التي تقصر عنها المعلقات العربية قريضا صافيا في حب المواطن الطيب. هذا المواطن ظل موعودا بالمن والسلوى وباليوتوبيا في شكل وطن على مر عقود ودهور طوال، توالى عليه ملوك وحكام وسلاطين وأباطرة ووزراء وأصحاب جاه وصولجان، بينما أزمات وجوده تتناسل أو تتغير أشكالها ومحتوياتها، وحتى في أكثر الأوطان ريعية وتخمة من فوائض ما أسبغه الخالق العظيم من ثروات وموارد طبيعية، هنالك أزمات سكن وبطالة واحتقانات مجتمعية وشبه انعدام للمساواة الاجتماعية وطبقات حاكمة وصلت حد الشيخوخة وبلاء الزهايمر.

هذا الواقع الذي وجد المواطن نفسه في مواجهته زمنا طويلا حتى إذا ضاقت الأرض بما رحبت على حكومات فاشلة، لجأت إلى إشاعة الفساد والمحسوبية وشراء الولاءات بثمن بخس على حساب أية قيمة وطنية.

وفي عراق ما بعد 2003، كان من آخر ما أنتجته الحكومة السالفة بعد حكمها لثمان سنين، لا يُعرف بالضبط عدد من قضوا تحت خيمتها بسبب الانفجارات وأعمال العنف وهم بعشرات الألوف، المهم أن هذه الحكومة ختمت حكمها الطويل بإنتاج موطن جديد ألقته في حضن الوطن، اسمه وكنيته (المواطن الفضائي)، حتى إنك اليوم لا تصادف عراقيا واحدا إلا ويحكي لك فصلا من فصول هذه الكائنات الفضائية التي حلت بأرض الرافدين، وكانت من علامات الإنجاز الذي توصلت إليه الحكومة السالفة لكنها مع صراخ الفضائيين ودعوتهم لتمثليهم في نقابة أو اتحاد، مازالت الحكومة تنكر وجودهم بسبب انتفاء الحاجة إليهم وتحولهم إلى طور جديد، أشباح تلاحق أركانها وترعد مفاصلها، وتشكل فضيحة لا مثيل لها. الفضائيون في مفاصل الدولة العراقية حسب المصادر الرسمية هم بالألوف أو عشرات الألوف يتوزعون على مؤسسات الدولة، وهم أولئك الأشخاص الذين يتقاضون مرتبات طيلة السنوات الماضية، دون أن يكون لهم عمل محدد أو وظيفة ما، كل ما في الأمر أنهم يتقاضون مرتباتهم وهم إما مشغولون بمهن أخرى، أو تجارة أو جالسون في بيوتهم أو مقيمون خارج العراق.

لكن الملفت للنظر أن لعنة الفضائيين قد حلت اليوم على الجميع وهو من سوء حظ الحكومة السالفة، فقد صار العراقيون يطلقون صفة (مسؤول فضائي) على كل عاطل عن العمل ويظهر في الإعلام على أنه مسؤول في الدولة، دون أن يكون له دور فاعل في حل أزمات البلد، ومن ذلك أنك تجد تعليقات الكثير من العراقيين تنسحب على نواب رئيس الجمهورية مثلا، لأنهم ثلاثة ويفترض أن يكتفى بواحد، وعلى عدد كبير من المستشارين الفضائيين الذين يتقاضون مرتبات ضخمة ومخصصات، ويتمتعون بطوابير من الحمايات والمركبات والإيفادات والسكن المرفه والمرافقين والسكرتارية دون إنتاجية واضحة أو منجز يذكر.

لعنة الكائنات الفضائية التي بدأت تحل على هؤلاء كاشفة عن ظاهرة غير مسبوقة من الترهل والفساد والبطالة المقنعة والمحسوبية وهدر المال العام، تقدم صورة أخرى لمواطن فضائي أشاعت له الحكومة مثلا حتى ينال وظيفة من خلال شهادة دراسية مزورة، وهو ما صرح به رئيس الحكومة السابق نفسه من أن المواطن معذور إن زور شهادته الدراسية بغرض الحصول على وظيفة وإن تم ضبطه والحكم عليه، فيجب أن يشمل بالعفو وكان ذلك إبان مناقشة قانون العفو.

وبذلك كانت الحكومة تشرع لوجود الفضائيين وتبرر لهم الحق في الوجود في أحضان الوطن، ماداموا جزءا من منظومة الولاء والوفاء للزعيم أو المسؤول وجزء من كومبارس الانتخابات التي ستكرسه قائدا للبلاد ما بقي الليل والنهار.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر