الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

إمبراطورية الفساد في العراق

إمبراطورية الفساد لن تستسلم للعبادي، وستحاول زعاماتها العلنية والسرية جس النبض لكي تتعرف على مدى جديته ومواصلته لهذه المعركة قبل فتح معركتها ضده.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/12/15، العدد: 9769، ص(9)]

أطلق رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قبل أيام مصطلح “الفضائيين” تعبيرا عن عشرات الألوف من الأسماء الوهمية التي تتقاضى رواتب في وزارة الدفاع، وأن هناك أعدادا أكثر ما زالت تحت التحري ومثلها في وزارة الداخلية، ولم يتم الكشف عن مصير المليارات المنهوبة من قوت الشعب العراقي. وهذا الإعلان الرسمي لم يكن مفاجئا للعراقيين الذين يعانون منذ عام 2003 من أقذر أنواع الفساد وطلبات الرشوة في معاملاتهم الشخصية اليومية في دوائر الحكومة، مقابل انعدام خدمات الكهرباء والصحة والتعليم التي رصدت لها سنويا المليارات من خزينة الدولة في ميزانيات تعادل، حسب خبراء، مجموع ميزانيات أربع دول مجاورة للعراق.

قصة الفساد في العراق لا تشبهها قصة في أي بلد في العصر الراهن. وهي لا تنتمي إلى الفساد المالي أو الإداري التقليدي الذي يمكن مكافحته بإجراءات معروفة عن طريق قطع منابعه ومعاقبة مرتكبيه. الفساد في العراق “مركّب” ذو بعد سياسي له علاقة بطبيعة السياسيين الذين سلمهم الحاكم الأميركي بول بريمر السلطة الطائفية في العراق بعد 2003. ولعله من أكثر الأميركان صراحة وقسوة في وصفه للقادة السياسيين في مذكراته “عام في العراق”، حيث قال عنهم: “عندما عقدت أول اجتماع مع قادة العراق كنت خائفا وقلقا، وكنت جالسا على طرف الكرسي، وتوقعت أن يلوموني ويسألوني لماذا أوصلنا البلد إلى هذا الحد، وإذا بهم أول ما سألوني أين رواتبنا ومستحقاتنا! حينها اتكأت على الكرسي وقلت: إن هؤلاء لا يمثلون شعبا ولا يستحقون أن يمثلوه”.

فبسبب الفساد السياسي تم استبعاد الكفاءات العراقية واستبدالها بالجهلة والأميين المنتمين أو الموالين للأحزاب الطائفية الذين لا يناسبون بناء دولة مدنية عصرية تقوم على قاعدة خدمة المواطن. بل إن بريمر نفسه حينما كان يختار من يتولون المسؤوليات الحكومية كان يسأل قبل ذلك وباعترافه “هل هذا بعثي وهل هو سني؟”، ولم يسأل عن كفاءته.

وبين الحين والآخر تتسرب باستحياء معلومات عن النهب في ظل الاحتلال. فقد أعلن المفتش العام الأميركي ستيوارت بووين عن “اختفاء 6 مليار دولار كانت مخصصة لإعادة إعمار العراق أُنفقت على شركات الأمن الخاصة كحراس لمسؤولين لم يكن هناك ما يقتضي رصد هذه التكاليف”. وبسبب تلك الأغطية وهذه السياسات المتراكمة في بناء النظام السياسي الجديد، تشكلت البيئة الحاضنة التي رعت الفساد وكونت إمبراطوريته المخيفة التي وظفت السلطة من أجل الفساد، ووظفت الفساد من أجل السلطة.

لقد تغلغل الفساد وأخذ أشكالا متعددة في الهرم الحكومي ومن حوله شبكات ضخمة في ترتيب العقود وتوزيع حصصها، إمبراطورية ضخمة لديها أدواتها المرعبة، وتشم رائحة المخاطر من بعيد وتفتك بمن تسول له نفسه وتدفعه قيمه إلى الاقتراب من حدود هذا الحقل المسّور. ولعل ما يجري في المناسبات الانتخابية حيث مزادات بيع المناصب النيابية والوزارية مشهد آخر من المهزلة الكبيرة. وفي الأيام الأخيرة أخذ مسؤولون حكوميون خصوصا من “سنة العملية السياسية” وبسبب اختلاف المصالح فيما بينهم يكشفون عن صفقات الفساد عبر ما يسمى “الإسقاط السياسي” الذي يصبح عقوبة الاختلاف بين أصدقاء الأمس. وإذا ما انبرى صوت بوجه هذا الغول سرعان ما يُقمع، خصوصا بعد تشكيل لجان النزاهة في الحكومة أو البرلمان التي تابعت بعض الملفات، فاضطرت الأصوات الشريفة إلى التخلي عن هذه المسؤولية الخطرة أمثال رئيس لجنة النزاهة في البرلمان الشيخ صباح الساعدي، ورئيس لجنة النزاهة الحكومية موسى فرج. وطوال أحد عشر عاما يسمع الناس الشعارات الرنانة المنددة بالفساد من قبل مسؤولي الحكومة ورأسها، لكنهم لم يسمعوا أو يشاهدوا محاكمة علنية أو سرية أو عقابا رادعا لواحد من كارتل الفساد لكي تهدأ نفوس أبناء الشعب العراقي المنكوب بهذه الكارثة. بل تم تهريب وزراء ومسؤولين كانت فضائحهم كبيرة، فاللعبة بين السياسيين معروفة تقوم على التستر المتبادل، والرابح هو “إمبراطورية الفساد”.

ويبدو أن من فضائل “داعش”، مقابل جرائمه، أنه أحدث هزّة موجعة في منظومات الحكم خصوصا “المؤسسة العسكرية والأمنية” وانكشفت اللعبة الكبيرة في الفساد المالي والإداري مما اضطر العبادي، وهو يخوض معركة تنظيف آثار سلفه نوري المالكي، إلى الإعلان عما أسماه القائمة الأولى من جحافل “الفضائيين” وهي خطوة فيها مجازفة كبيرة إذا ما اقترنت بإجراءات كشف وإحالة المتورطين إلى القضاء المستقل بعد تنظيف ديوانه أيضا. وقدر للعبادي الدخول في بيت الدبابير، فلا يوجد مرفق تابع للحكومة خاليا من الفساد. وهو غير قادر لوحده، فهناك نسبة عالية من المتورطين في الفساد يعودون، مرة أخرى، إلى المواقع الرسمية أو البرلمانية، مما اضطره قبل أيام إلى التصريح بأنه عازم على مواصلة معركته ضد الفساد حتى لو كلفه ذلك حياته.

إمبراطورية الفساد لن تستسلم للعبادي، وستحاول زعاماتها العلنية والسرّية جس النبض لكي تتعرف على مدى جدّيته ومواصلته لهذه المعركة قبل فتح معركتها ضده. ولا تعرف إلى حد الآن طبيعة خطواته المقبلة، خصوصا أن التحديات التي تواجهه مركبة، في مقدمتها احتلال داعش لثلث العراق، وضمنها مسألة “الحرس الوطني”، وحل مشكلة مظلومية “العرب السنة”.

العبادي إذا ما أراد الاستمرار في معركته ضد الفساد، فعليه أن يثق في أنه لن يكون وحده، فرصيده الأول في وسطه الشيعي مرجعيته المذهبية (السيستاني) التي تدعم هذه التوجهات، وكذلك سيكون معه جميع الشرفاء من الوطنيين العراقيين خارج العملية السياسية (سياسيون ومثقفون وأدباء وإعلاميون) وحتى من بين الذين تم تصنفيهم بالأعداء، وكل الذين لم يتورطوا في الفساد وهم “قلة” من داخل العملية السياسية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر