الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الراقصون مع ذئاب الهويات 'المناطقية'

الإرهاب لا يستفيد فقط من حالة التّهميش والتهريب ومن بارونات الاستبداد، بل يستثمر التناقضات الداخلية ويعرف أنّ 'منطق' المناطقية هو عمقه الاستراتيجي في دول عربية نصف فاشلة، نصف مدمّرة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2014/12/17، العدد: 9771، ص(8)]

استخرجت منا الحرب الانتخابية الرئاسية في دورها النهائي أسوأ مكنونات السياسة والثقافة والتاريخ في تونس ما بعد الاستقلال، وكشفت، أنكى جروح الأنثروبولوجيا التونسية التي لم تندمل بعد، وبقيت مثل عضال السرطان الذي يفتك بجسد صاحبه مستعينا بـ“صمت” المريض و“تواطؤ” الطبيب و“تجاهل” الحبيب.

لم يكتف المتسابقون لقصر قرطاج بتقسيم التونسيين وفق ثنائية “الديمقراطية والاستبداد”، و“الأزلام والثوار”، و“الفاسدين والحقوقيين” و“المنقبات والسافرات”، ذلك أنّهم “اجترحوا” من معاجم التفرقة وقواميس التشرذم مقدمات لتقسيم البلاد، فنفخوا في حقول معاجمهم السياسية الهجينة عبارات “الجنوب” و“الشمال” ساعين إلى بعث “هويّات” مناطقية “قاتلة” – وفق عبارة الكاتب أمين معلوف في مؤلفه الهويات القاتلة – في وطن تونسي هو أصغر من التقسيم الجغرافي، وأكبر من الانقسام السياسي.

فجأة صار التونسيون جنوبيين وشماليين وتكسرت “الأنا الجمعيّة” على حجارة “الآخر” أو “الآخرين”، لتصبح الهوية السياسية في الزمن الانتخابي التونسي هوية تناقضية لا تعرف نفسها وفق عوامل التاريخ المشترك والجغرافيا الواحدة والثقافة الناظمة لشتات الشعب، وإنّما تحدّد تعريفها وفق اختلافها وتناقضها مع الآخرين ومع الهويات الأخرى، فأصيل الشمال يعرّف نفسه بأنه ليس من أهل الجنوب، والعكس صحيح أيضا.

لا يهتمّ التائقون بكرسي وثير مطلّ على سواحل قرطاج كثيرا بمحاذير التاريخ والثقافة والمجتمع، طالما أنّ رقصهم مع ذئاب “الهويات المناطقية القاتلة” سيمكنهم من تقليص هوامش الفرق مع المتصدر للسباق الرئاسي، ولا يهمهم إن استحال التنوع ضمن الوطن التونسي الثابت إلى هويات مناطقية قاتلة ثابتة ضمن “الوطن التونسي المتغيّر”.

اللعب على أوتار “المناطقية” المحرومة من الدولة الوطنية و“الإصرار” السياسوي الانتخابي على استحضار أخطاء دولة الاستقلال لمعاقبة دولة الثورة، هو لعب بمقدّرات الانتصار الحقيقي في الاستحقاق الرئاسي، فبهذه الطريقة لن يجد الفائز جمهورية مكتملة الجغرافيا ولا دولة وطنية مكتملة الوحدة الإنسانية والبشرية، ولا دستورا يضمن جوهر المساواة، ولا برلمانا يؤمّن التمثيل الفعلي لكافّة القرى والأرياف في تونس الأعماق، فإذ به رئيسا لبقايا وطن في بقايا جغرافيا وفي بقايا تاريخ.

الخطير أن “ثقافة” الهويات المناطقية تتحالف استراتيجيا مع “الثقافة الداعشيّة” الإرهابية، فكلاهما تمثلان ردا متطرفا أجوف على غياب الرؤية الاستراتيجية للدولة الوطنية ما بعد الاستقلال، وكلاهما أيضا تجسدان مبدأ “الانفصال” التدريجي على الدولة والوطن في آن واحد. والأخطر أن “ثقافة الإرهاب” تقتات من “ثقافة” الانفصال الناعم على الدولة الوطنية – والتي تجسم “الهويات المناطقية القاتلة” إحدى تجلياتها – فليس من الغريب أبدا أن تنتشر الفصائل الإرهابية الليبية في شرق البلاد التي عانت طيلة 40 سنة من سياسة معمر القذافي العقابية وعاشت السنوات الثلاث من عمر الثورة على وقع ثقافة “المغايرة” و“الآخروية” عن الغرب والجنوب.

وليس من العجيب أيضا أن يتجذّر تنظيم الدولة الإسلامية في غرب العراق، حيث بسط نفوذه العسكري بالتوازي مع نعرات الانفصال عن بغداد لدى القبائل العربية السنية المنتفضة على السياسة الطائفية لنوري المالكي، وليس من الغريب أيضا أن يتحالف فرع تنظيم القاعدة في مالي مع قبائل الطوارق الرافضة لسياسة الدولة الماليّة.

فالإرهاب لا يستفيد فقط من حالة التّهميش والتهريب ومن مافيات الفساد وبارونات الاستبداد، بل يستثمر التناقضات الداخلية والمفارقات المحليّة ويعرف أنّ “منطق” المناطقية هو عمقه الاستراتيجي في دول عربية نصف فاشلة، نصف مدمّرة.

يدرك “الإٍرهاب” أن فاعلين سياسيين تونسيين – أمثال المنصف المرزوقي – لا يدركون قدرة “المفهوم” السياسي على التحوّل السريع من سياق الخطاب إلى فضاء اليباب والخراب، وأنّ “القول” – إن حفّ بسياقات الاحتقان والإحباط – قد يستحيل أفعالا تضرب ما به تكون تونس، تونس.

يدرك الإرهاب أن هؤلاء السياسيين الراقصين مع ذئاب الهويات المناطقية القاتلة هم “حصان طروادة” لدخول جغرافيا المدن ولإدخالها في المحن والفتن.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر