السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

جهنم الخالية من العرب

على العرب حتما أن يتجاوزوا، بإدراكهم، مرحلة اختطاف عروبتهم من قبل الدكتاتورية، ويعيدوا تلك العروبة إلى كونها حقلا ثقافيا كبيرا وواسعا خارج التعصب العرقي الإيديولوجي.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/12/19، العدد: 9773، ص(24)]

حين قرّر الاتحاديون العثمانيون الأتراك منع التحدّث بالعربية افتتحوا في دمشق عام 1909 مكتبا خاصا وضعوا عليه لافتة كتب عليها “جمعيّتْ مكافحَتْ لغَتْ عربيّتْ”، فلم يستطيعوا الخلاص منها، حتى في حربهم ضدّها، كما سبق وأن كتبتُ ذات يوم، أما قصيدة الشاعر مصطفى بادكوبه أي التي ألقاها في مؤسسة ثقافية حكومية في مدينة همدان في ظلام إيران الدامس عام 2011 مخاطبا الله ومحتجا على ما ورد في نصوص الإسلام من أن العربية هي لغة أهل الجنة: “يا الله خذني إلى جهنم وأسفل السافلين، أيها الإله العربي، شريطة أن لا أجد عربيا واحدا هناك” ليردّ عليه الحضور بالتصفيق الحار.

ويصادف أمس الخميس، الثامن عشر من ديسمبر، من كل عام، اليوم العالمي للغة العربية، لغة مئات الملايين من العرب، والناطقين بالعربية من الشعوب، حاملي ثقافتها وتراثها الكبير، وأكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، العربية التي كانت يوما صورة حيّة عن التعدّد، حين كان لكل حي من العرب ما سمّيت قديما بـ”لغتهم” فكانت لغة تميم ولغة ثقيف ولغة هوازن وسواها، وكلها كانت تعكس الوفرة في الألفاظ والمعاني، جمعها القرآن الكريم في موسوعة فائقة ما زالت تضخّ الكلمات مع تطوّر لغة الصحافة والنقد والبحث والدراسات.

وعاشت العربية طويلا لغة رسمية عالمية لعدد كبير من الشعوب والأديان، كتبوا بحروفها وأطلقوا ألفاظها على يومياتهم وأشيائهم وأبنائهم وبناتهم، وكثيرا ما اختلط عند هؤلاء الموقف من العرب والعربية، لكنه سرعان ما كان يعود وينصف العربية ويعزلها عن صراعات جرت بين الأمم، فتجد العربية عند الترك والفرس والكرد وسواهم متغلغلة ساكنة دون قسر أو تكلّف، وفي عام 1938 صدر كتاب ضخم في الولايات المتحدة بعنوان “The Book of a thousand tongues” لباحثين كبار، حصروا فيه ما يربو على مئة وأربعين لغة كان أهلها يكتبون تراثهم بالخط العربي، قبل أن يعمل الاستعمار الغربي على تحويل هذا الخط إلى الخط اللاتيني.

على العرب حتما أن يتجاوزوا، بإدراكهم، مرحلة اختطاف عروبتهم من قبل الدكتاتورية، ويعيدوا تلك العروبة إلى كونها حقلا ثقافيا كبيرا وواسعا خارج التعصب العرقي الإيديولوجي، وفي المقابل على غيرهم من الشعوب أن تدرك أنها لن تستطيع خسارة العربية بوجود العمق الحضاري والإسلام، والتاريخ الطويل المشترك، وأن الوقت اليوم ليس أصعب من زمن هولاكو وتيمورلنك ومن جاء بعدهما، حين صمدت العربية وتمكنت من حفظ الثقافة والروح الإنسانية عبر العصور.

وقد لا يدرك الإيرانيون، والعرب معهم، أن اللغة الفارسية وحدها اليوم تضم في ما يقرب من 60 بالمئة منها كلمات عربية صافية، وقد ثبتَ أنه وفي الصفحة الأولى وحدها من كتاب “تاريخ البيهقي” المكتوب بالفارسية، كان المؤرخ الفارسي الشهير قد استخدم مئة وخمسا من الكلمات العربية، من أصل مئتين وست وخمسين كلمة وردت في الصفحة ذاتها، وهناك من أحصى اثنتين وأربعين كلمة عربية في إحدى خُطب شاه إيران التي جاءت في مئة وعشرين كلمة ظنّها شاه إيران فارسية خالصة، وهو ينتظر شاعره في الآخرة اليوم كي يدّله على جهنم الجميلة الخالية من العرب.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر