الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

مصير العراق ما بعد داعش

المصير الذي سيؤول إليه العراق بعد داعش هو الأهم، ويبدو أن الزعامات السياسية العراقية (الشيعية والسنية والكردية) تعيش هذه الأيام مخاض صراع كبير حول هذا المصير.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/12/22، العدد: 9776، ص(8)]

الحرب العالمية ضد “داعش” هو عنوان تختفي خلفه مشاريع الكبار والصغار على أرض كل من سوريا والعراق. هذان البلدان اللذان ظلا منذ فجر التاريخ الحديث محور الأطماع، إلى جانب كونهما مركز النهضة السياسية العربية.

ففي ظل الحرب على “داعش” وجد الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه على خطى سلفه جورج بوش الذي جعل من الحرب على الارهاب مشروعاً احتلالياً لكل من أفغانستان والعراق، لكن أوباما أوقع سياسته الرافضة لنهج بوش في تناقضات الانغماس في الوحل العراقي مجددا، بعد أن تخلص من تورطه في احتلال سوريا.

وما يمكن أن يجره عليه ذلك من مشاكل أمام منافسي حزبه الجمهوريين في الأيام المقبلة. واختار أولوية العراق لما تمتلكه المجموعة الاستشارية العسكرية في البنتاغون والبيت الأبيض من تراكم الخبرة لثماني سنوات من الاحتلال انتهت قبل أربع سنوات.

ولهذا يتجدد مشروع العودة إلى العراق لكن باستحقاقات لوجستية وسياسية إقليمية جديدة، أهمها تنامي النفوذ الإيراني في أربع عواصم عربية، وما يتسبب فيه ذلك من تأثير في الملف النووي، إضافة إلى امتداد مخاطر الإرهاب في مناطق منابع النفط وهو الخط الأحمر دائماً في السياسة الأميركية.

من هنا حاول البيت الأبيض الاستفادة من الأخطاء المرة في احتلال العراق، وفي ضوء قناعتهم بأن لا حل لطرد “داعش” من هذا البلد لوجستياً دون حل المشكلتين السياسيتين في كل من سوريا والعراق، مع إمكانية الدخول في الحل السياسي العراقي فوراً، وهذا ما شرعت واشنطن في تنفيذه عبر الضغط على نوري المالكي للرحيل رغماً عنه وباستجابة إيرانية لها حساباتها، والمراهنة على إحداث التغيير السياسي عبر حيدر العبادي مع قبول المخاطرة بأنه ابن مؤسسة المالكي ذاتها رغم الفروقات الشخصية التي قد تغيّر مناسيب الأذى الذي حصل على عموم العراقيين، لكن يبدو أن التزامه الحزبي والعقائدي هو الأقوى، والدليل على ذلك ما أعلنته الأخبار قبل يومين “بأن العبادي قد طمأن رفاقه في حزب الدعوة على مصير مناصبهم الحكومية وأن حملة الفساد لن تنالهم”، ويقول الأميركان إنهم اتفقوا مع رئيس الحكومة الجديدة على تنفيذ خطة رفع الظلم عن العرب السنة، وإعادة الاعتبار لهم بمشاركتهم في القرارات المصيرية التي تهم البلد، وليس منحهم مناصب حكومية هنا وهناك، وإعادة التوازن السياسي وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين، وإلغاء قانون المساءلة والعدالة الذي تحول إلى سيف مسّلط على رقاب المواطنين للثأر والانتقام والكراهية، وهي إجراءات يسيرة إذا ما توفرت النية الصادقة والإرادة العراقية المستقلة. والمهمة التاريخية الأكثر حساسية هي فتح الآفاق أمام مهمة بناء دولة مدنية لا طائفية.

وكان سياسيو السنة في العملية السياسية قد تقدموا وفق تلك الاتفاقات بورقة “المطالب” التي ضمّنها العبادي في برنامجه السياسي أمام البرلمان في الثامن من سبتمبر من هذا العام، إلا أن العبادي قد وجد نفسه في أولوية تغيير جهازه التنفيذي ومكاشفته الرأي العام بحقيقة وجود “آلاف الفضائيين” في المؤسسة العسكرية، وما سيلحقهم من آلاف جديدة في المؤسسات الحكومية الأخرى، ساهموا إلى جانب الفساد في العقود في كارثة العجز المالي للعراق الذي بلغت ميزانيته السنوية 120 ألف مليار دولار، ولم تتحقق إلى حد الآن أي خطوة تهدئ النفوس وتداوي الجروح تحت ذريعة “لا صوت يعلو فوق صوت البندقية” وسط تعهدات أميركية بتسليح العرب السنة ودعم مشروع الحرس الوطني الذي يجد فيه ما يسمون بسياسي العرب السنة وسيلتهم العسكرية لطرد داعش وبناء إقليمهم، أو أقاليمهم السنية، وهو مشروع خيالي ليست فيه قواعد بنيوية تحتية على الأرض مثلما حصل عليه الأكراد، فهل سيأكلون التراب أو يتعبدون على ظلال الآثار، لكن الثابت أنهم سيعودون دائما إلى المركز الشيعي الحاكم الذي سيقرر مصيرهم.

إن مشكلة هؤلاء هي بعد أغلبهم عن أبسط معايير العمل السياسي، وهم أقرب إلى التجار من الساسة، وبينهم أمراء حرب يتاجرون بدماء أبناء جلدتهم، يجيدون الاستعراضات بالملابس العربية، وفنون المكائد للإيقاع من أجل مغانمهم ومضاعفة أرصدتهم. وهم ضعفاء مشتتون ولا يمتلكون مرجعية سياسية واحدة، وتتنازعهم المصالح الخاصة، ولا استراتيجية واضحة عندهم، مثلما عليه الأكراد الذين حسموا وضعهم العسكري والسياسي قبل الانتهاء من طرد “داعش” بفضل الدعم الاستراتيجي الأميركي، حيث كسبوا من الأميركان جوهر التحالف الاستراتيجي في تحقيق خطوات جدّية في امتلاك الجغرافيا التي ظلت محور خلافاتهم مع بغداد، واقترابهم أكثر من الاستقلال الكامل بعد ضمان الهيمنة على منابع النفط في كركوك.

أما السياسيون الشيعة فرغم أنهم حكام العراق حالياً، ويوجهون سياساته الداخلية والخارجية، إلا أن هناك تناقضات داخلية عميقة بين أطرافهم. والأميركان يعرفون هذه الحقائق عند العرب السنة الذين اختاروهم ولم يختاروا غيرهم، مثلما يعرفون الكثير من حقائق السياسيين الشيعة لأن الأميركان يجيدون اللعب بالإعلام لمصالحهم.

ومع كل تلك المظاهر السياسية المؤلمة إلا أن المصير الذي سيؤول إليه العراق بعد داعش هو الأهم والأخطر. ويبدو أن الزعامات السياسية العراقية (الشيعية والسنية والكردية) تعيش هذه الأيام مخاض صراع كبير حول هذا المصير. والقادة الشيعة قد يقتنعون في النهاية بأن يشكل العرب السنة “إقليمهم” الذي يسانده الزعيم الكردي مسعود البارزاني مقابل إقليميْ الأكراد والشيعة، ضمن دولة كنفدرالية عاصمتها بغداد، وهي مسألة معقدة لا يعرف من خلالها مصير كل من كركوك وبغداد، ولا يبدو أنها مسألة سهلة التطبيق.

حيدر العبادي رغم أنه يحاول أن يقدم حلولاً صعبة، إلا أنه واقع في أزمة بين ضغوط الدوائر الداخلية من حزبه ومن تحالفه الشيعي، وبين أن يكون زعيما وطنيا عليه تحقيق ما يعلنه من شعارات على مستوى الواقع، حيث تتراكم مشكلات أساليب تحرير أراضي العراق من “داعش”، وحتى إنجاز ذلك الهدف، فإننا قد نشهد عراقاً آخر.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر