الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

عن العقد الاجتماعي التونسي الجديد

ما لم يدركه فريق المرزوقي أن تصويت التونسيين لصالح السبسي في ثلاثة استحقاقات انتخابية، يعود لرغبة لدى شريحة كبيرة منهم في التعامل مع الدولة من نقطة 'الاستمرارية النقدية'.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2014/12/24، العدد: 9778، ص(9)]

سواء قاربنا نتيجة الانتخابات التونسية من زاوية فوز الباجي القايد السبسي، أو من بوابة هزيمة المنصف المرزوقي فإنّ المحصلّة السياسيّة متمثلة في أن “تونس” استردت روحها الثقافيّة والحضاريّة، واستعادت نموذجها الأنثروبولوجي في المنطقة واسترجعت قوّتها.

الاستحقاق الفكريّ الذّي صيغت على أساسه الانتخابات الرئاسية في جولتيها، متمثل في كينونة التعامل مع التاريخ والحضارة، ففي الوقت الذي يعتبر فيه المنصف المرزوقي وأنصاره أنّ التاريخ والتأريخ لتونس يبدأ من 14 يناير 2011، يعتبر فريق السبسي أنّ الثورة التونسية مرحلة مهمّة من تاريخ البلاد لابد أن تكون “استمراريّة نقدية” للدولة التونسية العريقة، لا “مراجعة نقضية” للدولة العميقة كما يدعي فريق المرزوقي.

زاوية من زوايا تفسير فشل المرزوقي في حكم البلاد كامنة في سعيه الدؤوب وفي انكباب فريق “الترويكا” على إسقاط مبادئ الثّورة على الدّولة التّونسيّة من مقاربة “المراجعة النقضية” التعسفية على مؤسسات الدولة وتاريخها، الأمر الذي أدى إلى “انفلاتات” وطامات كبرى في مستوى التعامل مع الملفات المحلية والإقليمية والدوليّة.

وما لم يدركه بعد فريق المرزوقي أنّ تصويت التونسيين لصالح السبسي ونداء تونس في ثلاثة استحقاقات انتخابية متتالية، إنّما يعود لرغبة دفينة لدى شريحة كبيرة من التونسيين في التعامل مع الدولة التونسية من نقطة “الاستمرارية النقديّة”… بمعنى أن تعود لدولة الديمقراطية هيبتها، وأن تسترجع “دولة القانون” سطوتها ونفوذها، وأن تستردّ دولة كافة المواطنين قوّتها وعنفوانها… أمّا أن تكون “عودة” الدولة على حساب الجانب النقدي لممارسات دولة الاستقلال، فهذا أمر لا يقبله التونسيون ولا يرضوه، وقد يكون شرارة انتفاضة ثانية.

ولعلنا لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أن “العقد” الاجتماعي التونسي المتبلور في نتائج الانتخابات التونسية ينصّ على “احترام الدولة” من قبل المواطنين، مقابل “التزام “الدولة” – كمؤسسات وسلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية ومجتمع مدني – بالتطوير والإصلاح والتغيير والتقدم.

كل من دعا لاستمرار الدولة التونسية دون مراجعة نقديّة وجد نفسه في أسفل الترتيب النيابي والرئاسي، وعلى رأس هؤلاء الأحزاب الدستورية التونسية ومرشحوها للرئاسية، وكل من رأى في الثورة تأشيرة لـ“الانقلاب الناعم” على الدولة عوقب بغضب شعبي عارم في ساحات الاعتصام وفي صناديق الاقتراع، وكلّ من اعتبر في المراوحة بين “الاستمرار” و“الإصلاح” قارب نجاة لمسيرة تونس الثورة ولمسار تونس الدولة، نجح في الحصول على تأييد جزئي وظرفي من المصوتين التونسيين، قد ينتقض بمجرد “الانقضاض” على الدولة، أو “الانقلاب” على الإصلاح الداخلي.

ولئن كان عنوان المرحلة القادمة بالنسبة لحكام تونس الجدد “تطبيع” الدولة العريقة – لا العميقة كما يدعي المرزوقيون – مع الإصلاح ومقتضيات البناء الديمقراطي الطويل، فإن عنوان المرحلة الآتية بالنسبة للخاسرين في الاستحقاق الانتخابي هو “التطبيع” مع الدولة والانكفاء عن محاولات “تطويعها” و“تركيعها”، بما يعنيه هذا الأمر من ضرورة لـ“إزالة” ألغام المشاكل الحزبيّة السياسية منها والتاريخية مع “الدولة الوطنية”.

في شتاء 2011 دخل المنصف المرزوقي لقصر قرطاج وفيه من تاريخ الحقوقي الكثير وفيه أيضا من رهانات الرئيس المثقف الشيء الكثير. في شتاء 2014 يغادر المرزوقي قصر قرطاج وقد استنزف تاريخه النضالي في حروب الآخرين على أرض العرب بعد أن باع ماضيه لصالح حاضر الآخرين ومطامحهم ومطامعهم، يغادر المرزوقي وقد عجز أن يلبس كسوة الرئيس، وبعد أن نسي كيف يرتدي “دنقري” – لباس العمال في تونس – المهمشين والضائعين والضعفاء والتائهين.

بات المرزوقي اليوم نصف رئيس فاشل، ونصف حقوقي ناجح، وكما نسي الطريق المؤدي للرابطة التونسية لحقوق الإنسان، فقدره عليه اليوم أن ينسى طريق قصر قرطاج لـ5 سنوات متتالية… إن شاء الله وحده.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر