السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

ما العمل

لا يقدّم المجتمع الدولي ما يعد به، وفي الوقت ذاته، تذهب المساعدات الإنسانية التي يتم جمعها في بلداننا، عن طريق الصدقات في الجوامع والجمعيات الخيرية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/12/26، العدد: 9779، ص(24)]

قابلتُ قبل سنوات، النجم المصري الكبير محمود ياسين، محبوب الجماهير في سينما السبعينات، وكان قد أصبح سفيراً للأمم المتحدة للنوايا الحسنة لبرنامج الأغذية العالمي، ويعرف الناس عن صاحب الصوت الرخيم معرفته العميقة باللغة العربية وولعه باستخدامها دون أيّ أخطاء أو لحن، وجرت المقابلة على خير ما يرام، باللغة العربية الفصحى، حتى سألته السؤال التالي: “لماذا تشتكون من شحّ المساعدات، بينما تتمكن زميلتكم أنجلينا جولي من جمع مبالغ ضخمة بسهولة؟”.

فثارت ثائرة محمود ياسين وخرج عن رصانة الفصحى وقال: “يعني يا خويا ما لقيتش تجيبلي مَثَل غير أنجلينا جولي اللي بتاخد على قلبها عشرين مليون دولار أجر عن دور في فيلم واحد؟ شوف أحوالنا إحنا إيه الأول وبعدين اسأل عن الست أنجلينا!”.

لا يقدّم المجتمع الدولي ما يعد به، وفي الوقت ذاته، تذهب المساعدات الإنسانية التي يتم جمعها في بلداننا، عن طريق الصدقات في الجوامع والجمعيات الخيرية حسب الوجهة التي يراها الشيخ، أي شيخ.

وكان صديقي البروفيسور ياكوب بيترسون، أحد أهم المستشرقين الدنماركيين الأحياء، قد بدأ دراساته الأكاديمية لواقع الشرق الأوسط وثقافته من خلال دراسة جمعيات حفظ النعمة، التي تتولى جمع الطعام للمحتاجين من بقايا الموائد، وكان ياكوب على حق، فتلك المراكز سرعان ما يتحوّل ريعها الكبير الذي يبدأ إنسانياً، إلى خزّان لتمويل الجهل، مع القليل من العمل الخيري اللازم لتحليل اللقمة.

ولكن ما العمل؟ وملايين من السوريين اليوم، بحاجة للدفء والطعام والتعليم، في دول جوار سوريا، في الداخل أيضاً وعلى امتداد خارطتها ترى الناس وقيامتهم قائمة، في سقبا وزملكا والغوطة على سبيل المثال، لا يختلف الوضع عن المخيمات، والناس تحتاج المساعدة كيلا تضطر إلى الرضوخ لشروط حصار النظام، أما سقبا وزملكا، فقد تراكم اليوم فوقها الكثير، وأصبحت حياتها كأنهارها، طينية عكرة، ما ذكرني بحكاية كتبها الأديب علي الطنطاوي في مذكراته، حين كان معلماً في مدارس تلك المنطقة قرب دمشق، حيث قال: “كنت قد مللتُ من انتظار السيارة كل يوم لتحملني إلى المدرسة، فاشتريت دراجة وتعلمت ركوبها، ولكني لم أتقن قيادتها، فكنت أقف على حجر أو كرسي فأمتطي الدراجة وأمشي بها متعثراً خائفاً.

ومررت يوماً بصاحبي معلّم المدرسة بشير ياسين، فدعوته ليركب ورائي على الدراجة فيستريح من انتظار السيارة ويوفّر أجرتها، فقال: (لا، يا عم، أخاف أن ترميني)، فقلت:(يا عيب الشّوم، أتخاف وأنت ورائي؟) فقال: (اتركني الله يرضى عليك، قلبي غير مطمئن)، قلت: (اركب ولا تخف)، فركب مُكرهاً وسِرنا والطريق خالٍ، فاعترضنا نهرٌ صغير طينيٌ عليه جسر، فقال: (أنزل وأمشي)، قلت:(لا، ابقَ راكباً).

وكان الجسر خشبتين طويلتين عليهما خشبات صغار معترضة فوقها بعض فروع الشجر، فلما بلغت وسط الجسر اضطربَت يداي وملتُ به، فسقط في النهر وسقطت فوقه وسقطت الدراجة فوقنا، وخرجنا من النهر، وصاحبي يُلقي في سبّي منولوجاً طويلاً، واستوقفنا سيارة مرّت بنا، فلما رأى سائقها ثيابنا ساقها وتركنا، وسيارة أخرى وثالثة ورابعة فلم يقف لنا أحد من سائقيها، فانتظرنا حتى حلّ الليل وأسدل ستاره، فمشينا مشياً حتى بلغنا دمشق فدخلناها من غير الشارع العام”.

هكذا الحال وهكذا المقال.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر