الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

حدود دولية افتراضية بانتظار المواطنين

المؤشرات التي يأتي بها العام 2015 تقول إن حدود الدول، خاصة تلك التي تقع عند أبوابها الصراعات، ستكون أمام امتحان ووضع إشكالي.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/01/02، العدد: 9785، ص(9)]

يبدأ العام بتمنيات لا حصر لها، بوعود وتحولات، بافتراضات تتعلق بهذه الأوطان الخارجة من تيه الاستعمار والمستعمرين، إلى تيه الدولة في حدودها الحالية التي وجدت نفسها مؤطرة بها. الدولة في حدودها المرسومة التي تدخل عاما جديدا محملة بأزمات وجودها، وأحيانا بانتهاء العمر الافتراضي لحدود بعض تلك الدول، بسبب أنها شاخت أو قاربت على الشيخوخة ولم تجدد لا أدواتها ولا وسائلها وإمكاناتها التي تمكنها من الاستمرار والديمومة، على فرض أنها دولة قائمة بحدودها ونظام حكمها حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

هذا الوهم الذي تغلغل في قرارة ما سمي اصطلاحا “الدولة القُطرية” – بضم القاف – هو الذي أورثها البلاء فلم تمعن النظر في واقعها وتركيبتها الاثنية والاجتماعية، ولا في مواردها إن كانت دائمة أو ناضبة، ولا في شكل نظام الحكم ولا في القوانين، ولا في تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، ولا في النظر إلى الثقافة على أنها أولى وأهم علامات حيوية وصحة النظام الاجتماعي والسياسي القائم، ولهذا ظلت هذه الدولة أسيرة ما سيأتي من احتمالات غير محسوبة ولا متوقعة.

فالرياح التي عصفت بالآخرين ليس في حسبان الدولة القُطرية أن يصيبها شيء منها، وما أوردناه آنفا ليس إلا التخريج السائد اليوم لدى ورثة الاستعمار من القوى الكبرى.

من الأمور التي لابد من مراجعتها بشكل جدي وعاجل في العالم العربي، واقع ومستقبل الدولة التي رسمت حدودها الدول الاستعمارية، قبل فوات الأوان. فجميع تقارير وتحليلات ومؤلفات أصحاب القرار من الدول (الاستعمارية) التي سبق وأن استعمرت العالم العربي تقول أن بعض حدود تلك الدول آن لها أن تُزال، وأن يجري تعديلها وفق معطيات جديدة، بل يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك، بأن بعض تلك الدول مرسومة الحدود قد دخلت في مرحلة العجز والشيخوخة والتدهور لأنها لم تعد مستجيبة لمتطلبات العصر، ولا منسجمة معه ولا قادرة أن يكون لها من وجود نوعي مؤثر في الحياة المعاصرة.

يتحدث المستعمرون القدامى وورثتهم عن الدولة التي بقيت أسيرة الصورة النمطية لأنظمة الاستبداد وتوارث الحكم، بصرف النظر عن المؤهلات في إدارة الحكم وفي مصادرة الحريات واستلاب المرأة والدوغمائية السياسية، والسبات عن الحضارة والانصراف عن التمدن والمدنية، الدولة صارت عبئا على نفسها وعلى العالم لا تعرف من هي، من تكون وإلى أين؟

بل إن الجدل يتسع إلى ما هو أبعد بأن هذا الكيان المؤطر بالحدود والمنتمي إلى الفضاء العربي إنما يعبر عن انتماء ذي طابع لغوي بالدرجة الأولى، أي من خلال اللغة الرسمية وأما ما عدا ذلك، فثمة ألف حاجز وحاجز فيما بينها وبين ذلك الفضاء العربي، ولهذا تجد الأنظمة نفسها في وسط إشكالية وجودية تتعدى التوصيفات المتعلقة باللغة والتاريخ المشترك.. الخ.

المؤشرات التي يأتي بها العام 2015 تقول أن حدود الدول، خاصة تلك التي تقع عند أبوابها الصراعات، ستكون أمام امتحان ووضع إشكالي ما، بل إن ورثة الاستعمار القديم ما انفكوا يبثون خرائط افتراضية تتآكل فيها حدود دول إن عاجلا أو آجلا، وعلى الدول الأخرى أن تسلّم بذلك وتسكت عليه، بل أن عليها أيضا أن تبارك فيه منصرفة عن حقيقة أن ما يصيب حدود هذه الدولة من تفكك قد يصيب الآخرين وإن بسيناريوهات أخرى، ولكن الخلاصة أن ما كان لن يعود.

مجد الدولة، أية دولة في العالم لا يقوم، فقط، على القناعة أنها راسخة رسوخ الرواسي، وأنها تنام وتحت مخدتها صندوق سيادي ضخم وكمية من صناديق الذهب في بيت المال، تكفي للعيش لسنوات أخرى مقبلة.

هذه الحسابات تتناسى منطق القوة الذي يحكم العالم اليوم، قوة العلم والتكنولوجيا والاكتشافات والأبحاث والاختراعات، وقوة الإنسان وقوة التعليم وانتعاش الثقافة والفنون والحريات الفردية والمرأة المنتجة الفاعلة، هذه هي ثروات الأمم الحقيقية واستثمارها في الإنسان هو الاستثمار الوحيد القادر على البقاء وإبقاء كيان الدولة معها، أما المراهنة على (دفتر الشيكات) على أنه المنقذ من الضياع والمنقذ من الثورات والمنقذ من التحديات، فهو منتهى الوهم الذي أصاب، ويصيب، الدولة – أية دولة – في مقتل، فكم عقلا أنتجت وكم من البحوث أنجزت وكم من الاختراعات وكم من الاكتشافات وكم من النساء تقدمن الصفوف وكم من الكتب ألفت وترجمت، وكم من الأفلام والمسرحيات والروايات أنجزت، وما هي ملامح تطور النظام التعليمي، وكيف تم تأسيس كيان إنساني قادر على مواجهة العواصف؟

هذه وغيرها أسئلة ليس الحل فيها الانتماء السطحي لأمة تخص العرب وحدهم، ولا قطع الجذور كليا وإنتاج وعي إنساني هجيني يرطن بلغة إفرنجية دون أن يكون منتميا لا لوطن ولا لثقافة ولا لبنيان حضاري معاصر وأصيل في آن معا.

أيتها الدولة مرحى لك في العام 2015، عام الأسئلة المصيرية الكبرى للأنظمة التي شاخت وصارت صورها في متحف نهوض الدول وانتهاء أعمارها الافتراضية.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر