الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

استقالة المثقف

المثقف العربي الذي طالما اعتبر أن الاستبداد وغياب الحرية هو المسؤول عن هزائم العرب وتخلفهم وفشل جميع مشاريع التحديث.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/01/02، العدد: 9785، ص(15)]

وسط دوامة هذا الانفجار الكبير ومحاولة الارتداد إلى مرحلة ما قبل انتفاضات الربيع العربي، أو مرحلة ما قبل الدولة، ينهض السؤال المؤرق أين المثقف العربي مما يحدث؟ وأين الثقافة العربية التي بشرت بالحداثة وعملت على تكريس مفاهيمها وقيمها في الحياة والسلوك الجمعي والفردي، ونحن نشهد هذا الارتداد المخيف تاريخيا وفكريا إلى مرحلة ما قبل أكثر من قرن ونصف من تاريخ العرب الحديث؟

الشباب العربي الذي انتفض على الاستبداد والفساد، وصنع لحظة التغيير السياسي في محاولة لفتح أفق التغيير، الذي كان مسدودا على الحرية ومشروع الدولة والعدالة، لم يكن يتصوّر أن قوى الفساد بتحالفاتها الداخلية والإقليمية يمكنها أن تختطف هذه الانتفاضات، أو أن تجعل من فاتورة الدم والفوضى الباهظة درسا لأية انتفاضة ممكنة، أو تحوّل مفترض داخل بلدان الانتفاضات، لكي لا يمتدّ تأثيرها إلى بلدان تمتلك كل الشروط الموضوعية لمثل هذه الانتفاضات.

والمثقف العربي الذي طالما اعتبر أن الاستبداد وغياب الحرية هو المسؤول عن هزائم العرب وتخلفهم وفشل جميع مشاريع التحديث، لم يكن دوره في هذه الانتفاضات أو في مرحلة تحقق أهدافها لإسقاط أنظمة الاستبداد، في المستوى الذي يؤمل منه، باعتباره الأكثر تحسسا لقيمة الحرية ومعناها، وهو ما طرح أكثر من سؤال حول أسباب ضعف هذه المشاركة، ومحدودية الدور في وقت تتطلب فيه المرحلة دورا أكبر بكثير لمواجهة قوى الردّة والظلام والتطرف والدفاع عن مكتسبات هذه الانتفاضات وتعميقها واستكمال شروط تحققها، ولا سيما أن المواجهة مع تلك القوى هي في جوهرها مواجهة ثقافية بين قيم الحداثة والتنوير والمدنية، وبين قوى التطرّف وفكر الإلغاء والاستبداد الديني من جهة، وبينها وبين أصحاب المشاريع القبلية والطائفية.

فإذا كان الوجود الحقيقي للدولة مهدّدا والمستقبل مصادرا والحرية شهيدة، والأفق الذي فتحته الانتفاضات على الأمل في غد كريم هناك من يغتاله، فماذا بقي للإنسان العربي وهو يواجه كل هذه الخسارات؟ وأيّ غد يمكن أن يحلم به مثقف اليوم وهو يعفي نفسه من مسؤولياته إزاء كل هذا، منتظرا ما ستؤول إليه الأحوال؟

لا أحد يتجاهل وضع المثقف الذي عاشه في ظل أنظمة الاستبداد والتغييب، أو واقع الفساد الذي ساهم فيه بعض المثقفين، ولا أحد ينسى زواج المتعة الذي كان بين الثقافة والسلطان، وتأثير كل هذا على واقع الثقافة الراهن، لكن هذا كله لا يفسر الغياب المخجل لدور المثقف. لذلك لا بدّ من الحفر في تاريخ الثقافة وفي شخصية المثقف لفهم ما يحدث.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر