الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

طارت طارت

القارئ يعلم أن مجتمعات الشرق لا ترحم وأن من جهل شيئا عاداه فلم نستطع فعل شيء لإنقاذ الرجل من براثن جهل الناس.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/01/02، العدد: 9785، ص(24)]

انقلاب رأس السنة يأخذك إلى المستقبل، والمستقبل يأخذك إلى الخيال، وفي الخيال تنفرد الابتكارات والعلوم بلا حدود، فتخطر بالبال الاختراعات التي قدّمها أصحابها، بعضها كان سابقا لعصره، وبعضها انزلق إلى ما لا يمكن تصديقه، حتى فقد مخترعوها عقولهم.

وذات يوم قبل سنوات، كلّفنا أحد الصحفيين بإجراء مقابلة مع واحد ممن يسمونهم مجانين المدينة، فعاد بعد أسبوع يحمل أوراقه، وقال إن الحوار جاهز، نُشرَ الحوار، وكان يتحدث عن مخترعات عجيبة، من بينها اختراعٌ يوقظ السائق في حال سرقه النوم أثناء القيادة، يلكزه ويقول له :”اصحَ يا نايم”، وسيارة برمائية تمشي على الأرض وتسبح في الماء بسرعة مئة كيلومتر في الساعة، وبراد عصري للعائلة يوفّر الطاقة حيث يستهلك فقط 10 كيلووات في الشهر، وجهاز آخر يمنع انقلاب السيارات مهما كانت سرعتها، وفرنٌ لحرق مخلفات المشافي يكلف ثلاثين دولارا فقط، ومظلّة عملاقة توفّر خدمة إنقاذ جميع الركاب دفعة واحدة، بأن ينفتح فجأة، عند الطوارئ، نصفُ الطائرة العلوي ويطير في الهواء لتظهر مظلة تحمل المقاعد الثلاثمئة دفعة واحدة، بينما الركاب، ينعمون بالراحة على مقاعدهم ريثما تهبط بهم المظلة بسلام على الأرض.

لكن هذا الاختراع واجه رفضا من العلماء بسبب علّة فيه، وهي أن عدد الركاب الذين سينقذهم، لن يكون سوى نسبة ضئيلة من عدد الضحايا الذين سيقتلهم نصف الطائرة العلوي المعدني الثقيل حين يسقط على الأرض.

بعد أيام عاد الصحفي يشكو، من أن المخترع مصاب بالاكتئاب الشديد، لأن أهل المدينة كانوا قد نسوه طيلة أربعين سنة، ولكن الحوار الذي أجريناه معه أيقظ اهتمامهم به وسخريتهم من اختراعاته.

ويعلم القارئ، أن مجتمعات الشرق لا ترحم، وأن من جهل شيئا عاداه، فلم نستطع فعل شيء لإنقاذ الرجل من براثن جهل الناس، وهو ضحيتهم أصلا، ففي زمن الوحدة السورية المصرية في أواخر الخمسينات من القرن العشرين، كان هذا المخترع ويدعى مجحم الدليمي قد ابتكر طائرة وطار بها، ولكن المخابرات في زمن عبدالحميد السراج، طلبت منه أن يهبط قليلا للتفاهم معه، فظنّ أنهم سيكافئونه، فهبطوا به إلى أقبيتهم، ليخرج بعد فترة، وقد فقد توازنه، لتتناوله ألسنة الناس، فصار يمشي في الشوارع، يلاحقه الأطفال بالهتاف: “الطيارة طارتْ.. طارتْ” حتى صار اسمه في المجتمع “طارتْ” فجنّ تماما.

لكن ذلك الرجل صمد في مخبئه النفسي العميق عشرات السنين، ليعود إلى الظهور مقدّما اختراعاته الطريفة من جديد، ولكن بصمت، لولا أن الصحفي أعاد إلى الناس.

وقبل أن نغادر مجحم، من الإنصاف الإشارة إلى مخترع آخر، عرض ذات يوم اختراعا لئيما أراد تسويقه لدى الحكومات لتطبيقه في الشرق الأوسط، يقوم على طرح عدّادات ذكية “سمارت” للماء والكهرباء، تعمل بالـ”سيم” بحيث تشتري لنفسك مسبقا، ما ترى أنك ستحتاجه من الماء والكهرباء، حتى ينتهي شحن الكرت، ثم إن كان قد بقي معك أي أموال، تشحنه من جديد، ولو أن الحكومات اقتنعت لعاشت الشعوب غارقة في الظلام والجفاف، ولم يحصل لا ربيع عربي ولا دماء ولا من يحزنون.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر