الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

تحية عبد الناصر

الوزير في العهد الملكي يعني 'صاحب المعالي'، وأتاحت ثورة أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة أن يكون 'في بيتنا وزير'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2013/09/20، العدد: 9326، ص(14)]

باستثناءات نادرة، كازانتزاكيس وماركيز تحديدا، أفضل قراءة السير الذاتية لغير محترفي الأدب. وهذه سيرة ذاتية تخلو من الافتعال، ترويها السيدة تحية كاظم، ولها مكان في القلوب، لم تنازعها فيه، أو عليه، زوجة مسؤول مصري. سيرتها أو ذكريات تفسر ذلك، فلا تدعي الحكمة بأثر رجعي، ولا تميل إلى صنع تاريخ يليق بها أو بزوج غير وجه مصر والمنطقة. تزوجا في 29 يونيو 1944، وعاشا معا 26 عاما وثلاثة أشهر.

نموذج الزوجة المنتمية إلى الطبقة المتوسطة، أبناؤها رسالتها، ولا يدفعها الفضول للتدخل في شؤون الزوج. ليلة 23 يوليو 1952، كان يستعد للخروج ليلا بالزي العسكري، فسألته للمرة الأولى: "أنت رايح فين؟". قال بهدوء إنه سيكمل تصحيح أوراق كلية أركان الحرب، حيث يعمل، ويأمل أن ينتهي في الصباح.

تسجل السيدة، في كتاب "ذكريات معه"، أن مجلس قيادة الثورة كان يجتمع في البيت حتى الصباح، ولم تر قط اللواء محمد نجيب الذي يرسل له عبد الناصر القرارات لتوقيعها. كانت السيدة بعيدة عن النقاش الدائر، ويدفعها التعب للنوم، ثم تصحو على جرس الهاتف، وعلى الطرف الآخر وزير. تعجب لكلمة "وزير"، وتتساءل: "كيف يتحدث وزير، ويطلب بيتنا في التليفون؟".

كان الوزير في العهد الملكي يعني "صاحب المعالي"، وأتاحت ثورة أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة أن يكون "في بيتنا وزير". كان عبد الناصر مركز دائرة تضم وزراء وصحفيين ومسؤولين واتصالات، "وأنا بجانبه لا أفتح فمي، وكأني لا أسمع شيئا، وربما أنام. هذا إذا رجع مبكرا، الساعة الواحدة أو الثالثة فجرا… أما عند رجوعه السابعة صباحا فكان ينام ساعات قليلة ويخرج".

تروي السيدة بفرح اتصال أم كلثوم بها، "وقالت إنها قابلت البكباشي جمال عبد الناصر أمس في القيادة، وسألته عني، وتريد أن تزورني".

هل كانت أم كلثوم تريد معرفة السيدة التي تقف خلف هذا الرجل؟ لا تعلق السيدة وهي تحكي بتلقائية، وتقدم نموذجا للسيرة دون ادعاء، ولا تذكر شيئا أكثر من سعادتها بمكالمة أم كلثوم "أكثر سيدة فرحت بها بلقائها في بيتنا".

السيدة، وهي زوجة رجل متقشف تقريبا، تمتعت بفضيلة الاستغناء والتعفف عن أضواء أو استمتاع شخصي على نفقة الدولة، إلا ما يفرضه البروتوكول، أو رغم ما يفرضه أحيانا. في عام 1960 كانا سيمران باليونان، وأخبره رئيس البرتوكول أن ملك اليونان سيدعوه إلى عشاء، بملابس السهرة للرجال والنساء، ورفض عبد الناصر فكرة ارتداء ملابس السهرة، ثم عاد وأخبره بترحيب الملك به، بأي ملابس.

أقام الملك مأدبة عشاء، بحضور الأسرة المالكة ورئيس الوزراء والوزراء. وقفت الملكة بجوار عبد الناصر، "لتتأبط ذراعه وتمشي بجواره، فقــال لها: سأمشي بجوار الملـك، وأنت تمشين بجوار زوجتي، فسألته الملكة: وماذا لو تأبطت ذراعك؟ قال لها: إني أخجل. فرجعت الملكة وقفــت بجواري وقالت لي بالإنجليزية: أعطيني يدك أو آخذ يد زوجك". الزعيم الذي شغل العالم كان يخجل.

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

العالم الآن

:: اختيارات المحرر