الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

إعادة إنتاج الشقاق والنفاق

الصراعات في أشكالها السائدة في عالمنا العربي اليوم ليست مفاجأة بل هي امتداد لمعطيات سابقة وأسباب واضحة، لكن الإشكالية تكمن في التغاضي عن حقائق التاريخ والجغرافيا.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/01/09، العدد: 9792، ص(9)]

لاشك أن مقولة “الشقاق والنفاق” ذائعة الصيت التي أطلقها الحجاج بن يوسف في خطبته الشهيرة في جمع من أهل الكوفة ساعة وُلّي عليهم، باقية في الأذهان، فهي من عيون الخطب في التاريخ، لاسيما والحجاج جاء متنمرا ساخطا على قوم رافضين له وساخطين عليه، ولهذا بادرهم بأشد أشكال التهديد والوعيد والذم والإزدراء حتى ختمها بمقولة الشقاق والنفاق الأخيرة.

ولأن الأيام دول، فقد مرت على العراق سنوات عجاف، فوجد العراقيون أنفسهم فيها بين قطبي الرحى، والأيام تطحن أعمارهم واشتد أوار الحرب الأهلية الطائفية فزادت شماتة الأقربين والأبعدين بهم، وفُهم الأمر على أن الخلافات والصراعات الطائفية والعرقية والسياسية، والحرب الأهلية بصفة عامة، إنما تختصر بأنها ضرب من الشقاق والنفاق وبأن هذه الصفة الذميمة حكر على أهل العراق، ويُصرف النظر عن الحروب الكونية التي ضربت أرض العراق وتكالب الأقربين والأبعدين على إبادة العراقيين، فذلك أمر يتم التغاضي عنه.

لكن ما لم يكن في الحسبان، وقبل أن يعصف الربيع العربي برياحه العاتية، أن يأتي يوم على كثير من حواضر العرب فيبتلون بذات الداء: الصراعات العرقية والطائفية والقبلية والحروب الأهلية، ولهذا صدقت فيهم النظرية الحجاجية، نظرية الشقاق والنفاق بل إن حواضر العرب تعيش اليوم أسوأ مراحل الشقاق والنفاق، فهنالك نفاق سياسي لا مثيل له وصرنا نشهد في الفضاء الأثيري أشكالا لا حصر لها من الشقاق والصراع العربي – العربي والإسلامي – الإسلامي، ما هي إلا امتداد وعارض من أعراض وباء الشقاق والنفاق التي ضربت بلاد العرب.

ولأن الأوبئة والأعراض الجسام لا تصيب الجسم المعافى إلا إذا وجدت فيه الثغرات التي توهن الجسد، فإننا وجدنا إصرارا غريبا على الصعيد العربي في استجلاب الأوبئة ونشرها لتعم أوسع نطاق ممكن.

لكن ما لم يحسب له حساب هو أن هذه الأوبئة ومنها وباء الشقاق والنفاق هي عدوى قابلة للانتقال من أرض إلى أرض، ومهما قيل عن البلدان والأنظمة المحصنة عن مثل هذه الأوبئة ومضاعفاتها وأثارها هو وهم كبير والأدلة لا تعد ولا تحصى.

على أن الصراعات في أشكالها الجيوسياسية السائدة في عالمنا العربي اليوم ليست مفاجأة، بل هي امتداد لمعطيات سابقة وأسباب واضحة، لكن الإشكالية تكمن في التغاضي عن حقائق التاريخ والجغرافيا والصراعات، لكن السذاجة السياسة وتفشي الأمية ليست في القراءة والكتابة وإنما أمية الوعي جعلت من هذه الأمة تتخبط في مسارات لا تعلم نتائجها، ولهذا صار درء الشقاق والنفاق نوعا من رد الفعل غير الناضج.

معادلة الشقاق والنفاق الحجّاجية صارت اليوم علامة فارقة لواقع عربي مثقل بالمشكلات والتعقيدات، حتى صارت المقولة المتعلقة بأهل الكوفة والعراق قليلة في حق أرباب الحروب الأهلية ومشعليها ومنتجي الفتن والصراعات ومموليها، لاسيما إذا انتقلنا في واقعنا العربي إلى محترفين في هذه البضاعة الرثة ونشر أوبئتها في كل بقعة هادئة ومسالمة، وإلا فما القول في استهداف الطوائف والأقليات المسالمة ونهب ممتلكاتها وقتل أبنائها واغتصاب بناتها، هذه الأفعال الشيطانية ليست أفعالا مفاجأة أو غير محتملة، بل هي نتاج أرباب الشقاق والنفاق الذين ربوا هذه الفلول ومولوها ودربوها وسلحوها ثم لما حمي وطيسها تبرؤوا منها.

إننا أمام توصيفة عربية خالصة لمعضلة الشقاق والنفاق العربي – العربي، والاسلامي – الاسلامي، فالتمزق والصراعات وأشكال الضغينة والكراهية لأسباب سياسية وعرقية وطائفية ومذهبية أكثر من أن تحصى، بل إنها تتفاقم في كل يوم وتجد لها ممولين ومروجين وقنوات فضائية وصحافة وفتاوى تشرع كل أشكال الشقاق والنفاق الحجّاجي، لتعم العالم العربي بأسره وحتى الناجين من الغرق فإن مطاولتهم في هذا البحر المتلاطم لا أحد يعلم إلى أي زمن ستمتد.

لا أريد أن أكون متشائما، ولكن لأن كل قوم بما لديهم فرحون حتى لو كانت نيران الشقاق والصراعات من حولهم وقرب جدران بيوتهم هي مسألة فيها نظر وتحتاج الكثير من التأمل، وهاهي أوكرانيا تشكل معضلة بالنسبة إلى أوروبا، وذلك خوفا من آثارها وتداعياتها على مستقبل القارة برمتها، فالنظم السياسة الناضجة لا يمكن أن تقوم لها قائمة دون وعي متعمق بالظواهر وتحليلها واستشرفها وإيجاد الحلول لها، أما الإكثار من الخصوم والمبالغة في التآمر وبث المزيد من الشقاق والنفاق في العالم العربي فهي بضاعة الفاشلين في كل حين.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر