الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

البهجوري وشارلي إيبدو

قبل يومين، اختلط الكاريكاتير بالبارود، ووصل الآر بي جي إلى قلب باريس، مع رشاشات وأقنعة، ليتحول مقر جريدة “شارلي إيبدو” الساخرة، إلى ساحة معركة، وقع ضحيتها اثنا عشر رجلا.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/01/09، العدد: 9792، ص(24)]

كتب جورج البهجوري رسام الكاريكاتير المصري قبل سنوات، يصف لقاءه الأول بالمطربة اللبنانية فيروز، فنقل انطباعه عن تلك اللحظات التي سبقت رؤيته لها في دعوة على الغداء في بيتها، وكيف أنه كان يبلع ريقه بين اللحظة والأخرى، منتظرا أن تنطق الأيقونة الغنائية الكبيرة، وحين فتحت فمها قالت له: “بتحب تاكل ورك الفرّوج؟” في محاولة منها لتشجيعه على الأكل، فكانت خيبته كبيرة، بعد أن هبطت به فيروز من عليائها إلى مستوى تشريحي مطبخي.

وكان الكاتب والطبيب الجراح السوري خليل النعيمي، المهاجر إلى باريس منذ عشرات السنين، قد حكى لي ببهجة ذات مرة، كيف أن صديقه جورج البهجوري، ألحّ عليه كثيرا كي يدخله معه غرفة العمليات، كي يرى جسم الإنسان “من داخله” بعد أن رآه طويلا ورسمه من الخارج، ولم يتردّد النعيمي في الاستجابة لطلب البهجوري، وألبسه كمامة، وثوبا معقما، وأوقفه إلى جانبه، وعند أول ضربة مشرط شقّت جسم المريض، اختفى البهجوري، فأخذ الدكتور النعيمي والممرضات يبحثون عنه، فإذا هو ملقى على الأرض مغمى عليه، فتركوا المريض الذي كان تحت التخدير والأَضواء الساطعة، وانشغلوا بإنعاش البهجوري رسام الكاريكاتير المميز الذي لم يتحمّل قلبه منظر الجسد الإنساني وهو يتمزّق وإن كان ذلك على يد طبيب.

وقبل يومين، اختلط الكاريكاتير بالبارود، ووصل الآر بي جي إلى قلب باريس، مع رشاشات وأقنعة، ليتحول مقر جريدة “شارلي إيبدو” الساخرة، إلى ساحة معركة، وقع ضحيتها اثنا عشر رجلا بينهم فنانون مشاهير ومحللون اقتصاديون، في كارثة تعكس إلى أي حدّ وصل توهّج جمر التطرّف، الإسلامي منه والعلماني معا، بحيث يشنّ كلٌ منهما حربه ضد الآخر، عبر القتل البارد والقتل الحامي الناري، يستفزّ هذا ذاك، وينتقم ذاك من هذا، أما الساحة فليست سوى ساحة السخرية والتهكّم، لكن مقاديرها متفجّرة ودموية.

وبدأ مع اللحظات الأولى لتلقي نبأ حادثة شارلي إيبدو، سيل من التحليلات والاستخلاصات، أبدعت فيها إحدى القنوات الفرنسية، حين ظهر عليها مراسل لجريدة من جرائد رامي مخلوف ابن خالة بشار الأسد، وهو يقول: “أصبح التشدّد أمرا خارجا عن السيطرة، فاليوم يمكن لشاب صغير أن يتشدّد في غرفته بعيدا عن أعين والده ووالدته”، وصار الحديث في الإرهاب والتشدّد لبانا تعلكه الأفواه، دون النظر في خطر ما يجري تسعيره، بجرف ملايين الناس نحو حرب جديدة، ستشعل أوروبا بعد أن أشعلت الشرق الأوسط، مع أن دور الإعلام هو التهدئة وليس التأجيج، لتحمّل مسؤوليات ما قد ينتج عن تغيرات في معاملة ملايين المسلمين في أوروبا بعد جريمة كهذه.

كان أول رسام كاريكاتير يتم اغتياله في التاريخ، هو الفنان الفلسطيني ناجي العلي، في وضح النهار، في لندن، وكان أحدث فنان يجري تكسير أصابعه وأضلاعه هو الفنان السوري علي فرزات، في وضح النهار في دمشق، لتكتمل اللائحة بفناني شارلي إيبدو، في وضح النهار في باريس، وكانت كل الهجمات إرهابية، مهما اختلفت أديان الجناة واتجاهاتهم.

تُرى ما الذي رآه البهجوري داخل الإنسان، حتى فقد وعيه من فظاعته؟ وهل يُخفي ذلك الجلد الجميل الملوّن بالأبيض والأسمر والأصفر والوردي والحنطي، عوالم أخرى لم نتمكن من فهمها حتى اليوم، تدفع الناس إلى سحق بعضهم بالصورة التي نراها كلّ يوم؟.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر