الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

مجزرة شارلي إيبدو واستحقاق 'الثورة الدينية'

مجزرة 'شارلي إيبدو' هي حلقة من حلقات مسلسل استهداف “العقل” التكفيري للصحفيين في المشرق العربي وليبيا ولسلسلة الإعدامات التي حاقت بالصحفيين الغربيين في العراق وسوريا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/01/09، العدد: 9792، ص(7)]

كلّ مسار تفسيري لمجزرة “شارلي إيبدو” موغل في المحليّة الفرنسية وفي المنظومة السببية الداخلية الوطنية عاجز عن بلورة أساس لقراءة أسباب واستتباعات الحادث الإرهابي الذي ضرب جريدة “شارلي إيبدو”، وسط باريس، ليس لأنّ فرنسا استثناء عصيّ عن التحليل والتفسير ولكن لأنّ جذور الفاجعة خارجية بالأساس تفجرت على أعتاب باريس وتكسرت أمام مقرّ جريدة “تشارلي إيبدو”.

صحيح أنّ طبيعة العلاقة بين “الأقليّة الإثنيّة” والأكثريّة صلب دولة أمّة ETAT NATION، متوترة ومضطربة لاسيّما مع صعود اليمين المتطرف واستفحال الدعوات العرقية العنصرية في كامل أوروبا بيد أنّ الأصحّ أنّ مجزرة “شارلي إيبدو” لا تتنزّل في سياق التجاذب الأزلي بين “الوافد” و”الرافد”، و”الأصيل” و”الغريب”، وإنّما تتنزل في فضاء الصراع داخل الإسلام بين “الخطّ” الإصلاحي المخلص للتراث والمخلّص للأمّة وبين الخطّ السلفي التكفيريّ الذي يتمثّل ذاته قصرا في التناقض الجوهري والاستراتيجي مع الآخرين.

ذلك أنّ مجزرة “شارلي إيبدو” هي حلقة من حلقات مسلسل استهداف “العقل” التكفيري للصحفيين في المشرق العربي وليبيا ولسلسلة الإعدامات التي حاقت بالصحفيين الغربيين في العراق وسوريا، وهي أيضا رديف “الغزوات” التي أشعلها التيار السلفي التكفيري في تونس ضدّ معرض العبدليّة وضدّ قناة نسمة.

وفي كلّ مفصل من مفاصل الاستهداف، كان التكفير في مواجهة التفكير… ومن المسلّم بأنّ الأصل في التفكير السلامة وإن اختلّ أحيانا دليلا واستدلالا، وأنّ الأصل في التكفير الندامة وإن ارتدى كذبا وزعما رداء المناكفة على الدين.

المفارقة هنا أنّ مجزرة “شارلي إيبدو” في “العقل التكفيري” هي مجرّد غزوة من الغزوات العديدة التي تشنّها جحافل السلفيين ضدّ زوايا الصوفيّة وضدّ مقامات الأولياء في تونس وليبيا ومصر وضدّ قبور الأنبياء وضدّ تماثيل “أبو العلاء المعري” و”أبو طيب المتنبي” في العراق وسوريا، فكلّهم في “نظام المعرفة” الفقيرة لدى السلفيين “مكامن خطر” على الإسلام والمسلمين… وهكذا أيضا تتساوى “الأضداد” لدى فقراء العقل والوجدان والدين.

“شارلي إيبدو” دفعت ضريبة استقالة المجتهدين وإقالة المجدّدين في الدين الإسلامي… وهي اليوم تدفع غاليا فاتورة “خطاب ديني متهالك” لا يزال ينتظر من دواوين الأمراء والسلاطين نصوص خطب الجمعة، ولا يزال محبوسا داخل زنزانات الشبقيّة الذكوريّة.

هي اليوم تدفع من دماء رساميها، تكلفة أنظمة تعليمية دينية لا تتصالح مع العصر ولا تصالح المصر وتثمر أجيالا من الغرباء عن أرضهم والمغتربين عن قضايا أمتهم.

نعم، نتقاطع اليوم مع دعوات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في ضرورة إحداث ثورة دينية حتّى لا يختطف السلفيون الإسلام من المسلمين ولا يشوهوا مكامن الحرية والعدالة والمساواة فيه.

“ثورة دينية” لابدّ من جمعها لـ4 مسارات على الأقلّ:

1 - مسار ابستيميّ جوهره “التفكير بالتفكير وليس التفكير بالتكفير” والحجّة بالبرهان، فلا عقال معنويا أو ماديا على “العقل”.

2 - مسار سياسيّ يفصل الدين على العمل السياسي المباشر وعلى المصالح السياسويّة النخبوية الضيّقة.

3 - مسار اتصالي يطوّر الخطاب الديني المتسامح ويجعله متمحورا حول الجوانب العقلانية والروحانية والمادية للإنسان.

4 - مسار معنويّ يرفع عصا السلطة على المؤسسة الدينية ويمنح الخطباء استقلالية مسؤولة- استقلالية عن الحكومة وليس على الدولة- في اجتباء الرسالة الدينية التي يسعون لتبليغها دون منغّصات السلطة السياسيّة.

على “شارلي إيبدو” مراجعة خطها التحريري من مبدأ أنّ الكاريكاتير هو فنّ النقد والإحراج وليس “النقض والهدم”، وأنّ الرسم هو رديف الكلمة الحارقة، فإن كانت الكلمة لا تكون حرة إلا إذا كانت مسؤولة، فإنّ الرسم لا يكون حرّا إلا إذا كان مؤسّسا على حرية التعبير وعلى احترام الآخرين.

“الكاريكاتير” و”المقدس” لا يتعايشان إلا في فضاء عمومي “ESPACE PUBLIC“ ديمقراطي، تعددي وعقلانيّ يستوجب الجميع بلا استثناء ويحتضن كلّ الأقوال وكافة المقاربات “وفق الطرح الهابرماسي”، فلئن كان على مسلمي فرنسا أن يكونوا في قمّة دينهم من حيث مبادئ المساواة والتعايش المشترك، فمن واجب “شارلي إيبدو” أن تكون أيضا منارة صحفية لـ”دمقرطة القول” و”تعددية الفكر”.

وحدها الثورة في عقول المسلمين وداخل ديار الإسلام قادرة على كفّ اعتداءات المسلمين في كامل أرجاء المعمورة، وفي ذات الوقت الذي تنحسر فيه “بحور” ووديان دماء أصحاب هذه الديانة على جغرافيا الإسلام من طنجة إلى جاكرتا، حينها فقط ستحقن دماء الآخرين.

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر