الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الثورة الدينية: الوهم ووجوه الحقيقة

الثورة الدينية لا ينجزها رجال الدين الرسميون، ولكنها ثمرة إرادة ثقافية سياسية اجتماعية تعلي شأن 'الدولة' على محاولات مصادرتها تحت راية دين أو مذهب.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/01/10، العدد: 9793، ص(9)]

من تحصيل الحاصل أن أسجل كيف كانت النبوة ثورة، فكل نبيّ ثائر عظيم حالم ينشد التغيير، يحمل مشروعا يتحقق في حياته، أو على أيدي حوارييه وصحابته. وحين يصير “قدامى الثائرين” رجال دولة يسعون إلى إحكام القبضة لإنهاء سلالة الثائرين على الحكم، ويحصنون أنفسهم بالسلاح والكهانة. هل نتوقع أن يثور كهنة على ماضيهم؟ ألا يرتبك “الثائرون بالأمر المباشر”، حين يتلقون إشارة من رئيس الدولة لبدء ثورة لن تكون إلا على أنفسهم؟

ففي أول أيام 2015، دعا الرئيس عبدالفتاح السيسي رجال الأزهر إلى “ثورة دينية”، لتصحيح المفاهيم، ورغم حرصه على التفرقة بين الدين والفكر الديني كاجتهاد بشري، فإن الدعوة أثارت تطرفا على جانبين.. تكرار المصطلح وابتذاله بالإلحاح عليه، والتبشير به، وهو ما سيؤدي إلى لا شيء. والسخرية من المصطلح واتهام السيسي بالردة وتبناها فيلق يضم شيخا اسمه وجدي غنيم، يطلق على نفسه لقب “الداعية”، ولم أسمعه يوما يأمر بمعروف أو يتحدث في الفقه، ولا أتوقع أن يدعو إلى مكارم الأخلاق، وهو الذي ينثر سبابه مجانا، ويوزع شتائمه بغير تساو على المسيحيين والشيعة ومعارضي طائفية الإخوان، وأخيرا السيسي الذي اتهمه بأنه “كافر ومرتد عن الإسلام”. وقال السلفي سعيد عبدالعظيم: “هذا الكلام غاية في الخطورة وقلب للحقائق، وانقلاب على الدين.. ولابد من رد هذا الكلام وتخطئته، لا التصفيق له أو السكوت عليه، فالساكت عن الحق شيطان أخرس”، ولم ينس “الداعية” عبدالعظيم أن يحث السيسي على التوبة النصوح.

لا تنتظر الغيرة على الدين إذنا من حاكم يمنح إشارة البدء، ويملك أيضا أن يمنعها؛ فثورة على مناهج دراسية عنصرية وخطاب عنف تاريخي لا تحتاج إلى ميزانية من الحكومة، لقتل هذه الكتب بحثا تمهيدا لإرساء قاعدة لاجتهاد عصري. تكفي فتوى “الكفر والردة” التي أطلقها “الداعية” المشكوك في قواه الإنسانية وجدي غنيم لارتكاب جريمة قتل. ليس مهمّا من يطلق الرصاص، الأهم أنه سيجد تبريرا للجريمة من شيوخ دعاة، من سلالة “الداعية الوسطي” محمد الغزالي، وقد برّأ في شهادته بالمحكمة قتلة فرج فودة، بعد فتوى عمر عبدالرحمن بكفره. قال الغزالي إن فودة “كافر ومرتد.. ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها.. وليس عليه عقوبة”، وعلى هذا الهدي الغزالي الدموي قام بسطاء بقتل أربعة من الشيعة يوم 15 يونيو 2013، تنفيذا لقول عدد من “الدعاة السلفيين” – في ملتقى بحضور رئيس الدولة الإخواني – إن الشيعة “أنجاس لا يعترفون بالنبي وآل بيته”، فانتقلت الدعوة من ستاد القاهرة حيث الرئيس الطائفي، إلى قرية زاوية أبومسلم بالجيزة، وتم التمثيل بجثث الشيعة على خلفية هتاف: “الله أكبر”، وهي صيحة القتلة على الضفة الأخرى أثناء هجومهم الإرهابي، يوم 7 يناير 2015، على صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية، وقتلهم 12 نفسا حرم الله قتلها. جريمة ستلهب العنصريين الأوروبيين، وتبرر اعتداء متطرفي اليمين على مساجد، وإيذاء من ترتدي الحجاب في المدن أوروبية.

في الصفحة الرسمية للأزهر على الفيسبوك، إدانة من بضع كلمات: “الأزهر الشريف يدين الهجوم الإجرامي المسلح على مقر المجلة الفرنسية”. إدانة خجول، فالقتلى الفرنسيون سقطوا بإشارة في كتاب نشر في عاصمة عربية، بفتوى من وراء الحدود. ولم يوجّه الأزهر ولا مؤسسة دينية رسمية لوما إلى الشيخ الغزالي، أو السلفيين المحرّضين بحضرة محمد مرسي يوم التمثيل بجثث الشيعة، ولم يستنكر الأزهر موت 38 إخوانيا، في أغسطس 2013، اختناقا داخل سيارة غير آدمية للترحيلات. لم يكن عدد الضحايا كافيا، في ما يبدو، ولكن حديثا في كتاب البخاري كاف لثورة الأزهر، دفاعا عن عذاب القبر، الذي يصح إسلام منكره، ولو كره الأزهر، الذي أعلن في أغسطس 2014 الشروع في تجهيز تجريدة من الأساتذة وعمداء جامعته “للرد على المشككين في ثوابت الدين… التي تتعلق ببعض مسائل العقيدة وبصحيح البخاري”.

كان مرسي رئيسا لجماعة وعشيرة، وكان السادات يقول: “أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة”، ولم يقل له رجل دين إن الدولة إذا صارت “إسلامية”، فلن تكون دولة، ولن يبقى فيها ما يشير إلى “إسلام” إلا ساحات ينفذ فيها ملوك الطوائف أحكام ما يتوهمون أنه الشريعة. وعلى السيسي أن يحسم موقفه من “الدولة”، التي لا تفرق بين أحد من مواطنيها، فلا دين لها إلا القانون الذي يتساوى أمامه المسلم والمسيحي والملحد. بهذا الوعي يسهل القول إن الأزهر غير مؤهل لثورة دينية؛ فمن يحسبون أنفسهم حراس “الحقيقة” لا يؤمنون بوجوهها المختلفة، وقد كتبت وكتب غيري عن كتاب “الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع” الذي يدرّس في الأزهر، وينص على أن للمضطر “قتل مرتد وأكله وقتل حربي ولو صغيرا أو امرأة وأكله لأنهما غير معصومين”.

الثورة الدينية لا ينجزها رجال الدين الرسميون، ولكنها ثمرة إرادة ثقافية سياسية اجتماعية تعلي “الدولة” على محاولات مصادرتها تحت راية دين أو مذهب. وكانت زيارة السيسى لمقر الكاتدرائية أثناء قداس عيد الميلاد، مساء 6 يناير، إشارة سياسية لافتة، ولكنها لا تكفي إلا بصدور قانون يجرّم التمييز والعنصرية، وينقي مناهج الأزهر وخطب الجمعة من كل ما يعادي “الدولة”، يستبعد اجتهادات وانحيازات ابن تيمية وابن عبدالوهاب، فلا يليق بمصر بعد ثورة شعارها “الحرية” أن تحدد مسارها للمستقبل بعض القبور، أو رجال يستمدون قوتهم من قبور مثل السلفي ياسر برهامي الذي اعترف بالاحتيال لتمرير مادة عنصرية في دستور طائفي، وحرم تهنئة المسيحيين بأعيادهم. على السيسي أن يحدد موقفه من “الدولة”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر