الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

عالم.. شارليتير

عالم شارلي.. عالم كاريكاتير لأرض تتنازع على ارتداء الحجاب أو إماطة اللثام عن فم يتناول كسرة خبز وشربة ماء.. ثم يتقيأ الحياة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/01/13، العدد: 9796، ص(18)]

تصدر فن الكاريكاتير واجهة الأحداث في العالم، بعد مقتل أشهر رساميه العاملين في جريدة (شارلي إيبدو) الفرنسية.

تأسست هذه الجريدة في العام 1969، وهنا ننبّه إلى توقيت الثورة الطلابية التي غيّرت الوجه الثقافي والسياسي في فرنسا وأحدثت انقلاباً نوعياً في مسار الفكر الإنساني، كان ذلك قبل سنة من ذلك، أي في العام 1968، واستمرت إلى العام 1982 وتوقفت ثم عادت إلى الإصدار بعد عقد من السنوات في 1992، والصحيفة متمردة أساساً على ثوابت اليمين وتتّجه يساراً ولا تعترف بمنهج الرصانة أو الوقار أو الأقنعة.

إذنً هي تتخذ من فن الكاريكاتير وسيلة للتعرية فكراً ونقداً وتحليلاً وكتابة، حتى أن من بين القتلى محللة نفسية كانت تحضر الاجتماع الدوري الأسبوعي لمجلس التحرير، وهو سياق متبع في معظم الصحف التي لها تقاليد عمل، ولأنني لست في مجال استعراض الحادثة أو الجريمة أو العمل الإرهابي أو وصفها، لأن المنحى مختلف وإسقاطاته أيضاً.

ومن تجربتي في الصحافة العراقية، تعرفت على فن الكاريكاتير وأشهر شخصياته الفنية، أدرك خطورة هذا الفن ومدى تأثيره وصلته بالناس والقراء ورصده للأحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكذلك على مستوى الوطن العربي، وفي ذاكرة كل منا أحد فناني الكاريكاتير، والصحافة العالمية لا تستغني عنه، وتعدّه جزءاً مهماً من وسائل التعبير، لكن مجلة مثل (شارلي إيبدو) أو شارلي الأسبوعية، تتخذ من اسم شارلي معبراً لها إلى القراء.

وقد يتبادر إليكم أنها اختارت هذا الاسم لأنها فرنسية وأن المعنى كامن في اسم (شارلي ديغول) القائد والرئيس الذي قاد حرب تحرير فرنسا من الجيوش النازية سنوات الحرب العالمية الثانية، أو لأنها تعتني بفن الرسوم الساخرة فينحاز عنوانها إلى (شارلي شابلن) ونقده اللاذع للرأسمالية وهيمنة الاحتكار وتسخير طاقة الإنسان واستعباده من أجل لقمة عيشه.

الحقيقة في شارلي أنها منذ البداية وفّرت إلى ذاتها الحرية في العمل الصحفي لأن كلمة شارلي في جذر اللغة مصدرها إنكليزي وتعني (الرجل الحر) و(إيبدو) الأسبوع.

ولمن تفوته نوعية الرسوم في الصحيفة الكاريكاتيرية الفرنسية (شارلي الأسبوعية)، أؤكد له أنها لا تقف عند حدود، فهي تسخر، وهذا جوهر خطها الإعلامي من جميع الأحداث، والمسكوت عنه، وليس لها خطوطاً حمراء في ثالوث ميم الممنوعات من أديان أو سياسة أو جنس.. وظيفتها التعرية وسبق أن تناولت في أعداد مختلفة الديانة اليهودية والمسيحية والإسلامية ولا تستثني نبيّاً أو تنحاز إلى هذا أو تترك ذاك، الجميع يقع تحت مطرقة أسلوبها وفنها واهتماماتها، وهي تنتقد الكاثوليكية وتشددها كما تنتقد طالبان وتعصبها، وعلينا ألا ننسى أنها تصدر في باريس، معقل الحريات الصحفية والشخصية وتحت حماية القوانين.

شارلي ستعود إلى الإصدار من جديد، بالرغم من الموت الذي طال المشتغلين فيها، وبالإحالة إلى واقع الصحافة العراقية، فإن إرهاب الدولة وقمع الحريات الصحفية يتخذ شكلاً آخر ويكمم الكثير من الصحف عندما تتحول أدوات القمع إلى شل حركة الصحافة التي تفتقد إلى التمويل وغير خاضعة إلى أيديولوجيات الأحزاب ومصادر تمويلها الخارجية والداخلية، وهناك أساليب كثيرة لكتم الأفواه بكواتم الصوت.. مأساة شعبنا في العراق تحتاج إلى شارلي، بل العشرات من الرجال والفنانين والكتاب الأحرار للوقوف بوجه القمع وإزالة الأقنعة وتعرية واقع الراديكاليات الدينية والسياسية وتابوهات الفكر المتخلف في إدارة وطن مثل العراق..

المأساة الإنسانية في عالمنا، وبالذات مداخلات الحروب أو التفاوت الثقافي والاقتصادي وعدم المصارحة في حوار الأديان فيما يخص النصوص مثار جدل، وحماقة الأساليب المتعالية بالتعامل مع الشعوب، واهتزاز صورة الدول الكبرى الراعية لحقوق الإنسان وعدم اهتمامها بمصير الملايين، سيرتد بموجات من العنف وتتناثر المواقف وتتشظى الحقائق.

هل أن من قتل في (شارلي إيبدو) مجموعة كائنات بشرية أو مجموعة رسامين؟ أو قتلت قيم الإسلام؟ أو قيم الحرية؟ أو قتلت شخصيات لا تعترف بمفاهيم القداسة في تاريخ ثوابت الفكر الديني؟ وفرنسا، خلال مدة قصيرة، صوّتت في برلمانها وفي الأمم المتحدة لصالح فلسطين، لكنها دفعت دم رساميها واستقرارها مقابل حرية متناهية للصحافة!!

عالم شارلي.. عالم كاريكاتير لأرض تتنازع على ارتداء الحجاب أو إماطة اللثام عن فم يتناول كسرة خبز وشربة ماء.. ثم يتقيأ الحياة.

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر