الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

أسئلة الثقافة العربية

لابد من تحرير الثقافة من سطوة الأيديولوجيا والمقدس، لكي نفهم عمق تاريخنا الثقافي وشخصيتنا الحضارية، التي يجب أن نستعيد هويتها الغائبة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/01/15، العدد: 9798، ص(15)]

السؤال الذي لم تزل تواجهه الثقافة العربية، ولم تستطع أن تجيب عنه نتيجة لهيمنة الأيديولوجيا عليها بنسختيها القومية والدينية، هو كيف نقرأ تاريخ هذه الثقافة، بعد أن ربطت الأيديولوجيا القومية والدينية تاريخ هذه الثقافة بالجغرافيا أو بالدين، رغم إقرارنا أن تاريخ هذه المنطقة يعود إلى ما قبل الميلاد، وأن حضارات مزدهرة وغنية كالسومرية والبابلية والفرعونية نمت على هذه الأرض.

المفكرون القوميون العرب والسوريون والمصريون حاولوا أن يقفزوا فوق هذه الإجابة، إما بتعريب تلك الشعوب التي أنشأت تلك الحضارات، وإما بمحاولة حصرها في بعدها الجغرافي الضيق كالقوميين السوريين، وإما بأعادتها إلى مركز جغرافي واحد هو الجزيرة العربية، انطلقت منه جميع هجرات تلك الشعوب، في حين صمت مفكرو الإسلام عن هذا التاريخ، وكأن المنطقة لم تعرف الثقافة والتاريخ إلا مع ظهور الإسلام. لذلك جرت محاولة طمس أو إهمال الآثار القديمة التي تعود إلى ما قبل هذا التاريخ، ولم يسمح بالتنقيب عن الآثار في شبه الجزيرة العربية.

هؤلاء المفكرون العرب والإسلاميون قرأوا تاريخ الثقافة العربية قراءة أيديولوجية المنزع، لكن الغريب أنهم بينما كانوا يوجهون نقدهم إلى مفكري الثقافة الغربية ودارسيها، ويتهمونهم بالانحياز والمركزية، لم يكونوا أفضل حال تجاه ثقافتهم التي أفقدوها سيرورة تاريخها عندما ربطوها بمركز جغرافي واحد وبثقافة دينية واحدة. هذه القراءة المتحيزة تفترض أن تلك البلاد الواسعة والوافرة بالمياه والخصب لم تكن مسكونة، ولم تعرف الحضارة وهذا غير صحيح، أو أن ثقافات تلك الحضارات السومرية والبابلية والفرعونية ومن بعدها البيزنطية قد انتهت مع أفول تلك الحضارات وانهيارها.

سكان بلاد الشام على تنوع لغاتهم المحلية التي يستخدمونها في حياتهم اليومية، يستخدمون حتى اليوم عشرات المفردات ذات الأصل الآرامي أو السرياني، وقد يكون بعضها من أصل سابق على هاتين الثقافتين، فكيف يفسر المفكرون العرب والمسلمون هذه الظاهرة، وما الذي يقولونه عن اللهجة المصرية ومصادرها، وكذلك عن العراقية، إذ لو كانت الثقافة العربية انتقلت مع الهجرات العربية من الجزيرة العربية، لكانت تلك اللغات المحلية متقاربة. كذلك لو كان صحيحا أن الإسلام قد استطاع أن يجب ما قبله، لما كان تأثير تلك الثقافات السابقة عليه، ما زال محافظا على حضوره في اللسان العربي.

إذا لابد من تحرير الثقافة من سطوة الأيديولوجيا والمقدس، لكي نفهم عمق تاريخنا الثقافي وشخصيتنا الحضارية، التي يجب أن نستعيد هويتها الغائبة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر