الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

مدينة فاضلة للمتطرفين

اليوتوبيا المبنية على الكراهية والتخلص من الآخر هي التي تسود عالمنا اليوم، تنقاد لها تيارات وجماعات تتزايد باطراد، ليفاقم ذلك وضع مالي ومعيشي وأزمات اقتصادية لا تنتهي.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/01/16، العدد: 9799، ص(8)]

العالم الفسيح وقد بدأ يصغر تدريجيا على ساكنيه، إحساس متفاقم بقلة الموارد وشحها ومصاعب حياتية لا تعد ولا تحصى، عالم يزدحم بالمشردين جراء الحروب والصراعات والهاربين من الموت إلى الموت، الغرقى في البحار وهم في طريقهم إلى جنات بشرية افتراضية على تخوم أوروبا، هذه كلها صارت علامات فارقة لعالمنا المأزوم الذي نعيشه اليوم، ومن مفاعيل هذا الواقع أن مجرمين بربريين جانحين استطاعا إثارة الهلع في نفوس مليارات البشر حول العالم في استراتيجية جديدة عنوانها الهلع الديني، وليس الهلع والسخط من ثلة مجرمين.

هذا الواقع صار يفرض، يوما بعد يوم، نزوعا نحو تأسيس بيئة بديلة، فالمتطرفون يتكاثرون ويحتشدون من كل الجهات، وكل يرى أن الحل والسعادة الأبدية وصنع اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة الافتراضية لا يمكن أن تتحقق إلا بالتخلص من الآخر، إنهم الأغيار والأشرار الذين لابد من التخلص منهم، هذا الواقع المبني على الصراع هو الذي نعيش فصوله اليوم، المدينة الفاضلة التي يصنعها المتطرفون لن تقبل قوانينها وجود المتسامحين والمتصالحين والذين يؤمنون بالحوار والسلام بديلا عن مشاعر الكراهية.

تعجز أمام هذا العصف من الكراهية كل الحلول والنظريات والفرضيات وكلمات التسامح والأمل وإمكانية التعايش، ولا صوت يعلو على صوت الصراع والانتقام، وتجد هذه النار من يذكي أوارها من كل الجهات، فالتطرف في الشرق ينتج تطرفا مقابلا في الغرب، والعكس صحيح ولا سبيل بينهما إلى حوار ولا تفاهم. أضف إلى ذلك الصراعات والحروب والحروب الأهلية التي يدخل فيها الطرفان في صراع مباشر.

إن أجيالا بشرية وأناسا عزلا لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الجنون الذي صار يضرب العالم اليوم وجدوا أنفسهم محشورين في هذا الخانق الضيق، بل إن الملايين من البشر وجدوا أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه من الحرج والخوف جراء أفعال ثلة من المجرمين، وهو ما تعيشه الجاليات العربية في العديد من دول الغرب، صار لون البشرة والملامح والزيّ تهمة في عالمنا المعاصر، وأناس من عرق معين في موضع شك واتهام وازدراء. هذا حال ملايين من المسلمين في العديد من دول العالم، أوروبا وأميركا بشكل خاص، فإلى أين تسير قافلة التطرف والكراهية؟

لاشك أن عتاة التطرف والمغرر بهم والمعاقين نفسيا والمنحرفين والمشوشين فكريا وعقليا لا يمكن أن يفهموا مبدأ التعايش إلا بإزالة الآخر، والدعوات صارت تسمع في هذا الاتجاه، صباح مساء، سواء عبر المظاهرات أو عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، دعوات إلى مدينة افتراضية فاضلة يعيش فيها العالم بسلام بعيدا عن الخصوم تحت مقولة إن “قيمنا لا تتناسب مع قيمهم”.

هذا الذي هلل له دعاة صراع الحضارات يجد بعضا من صدقيته ولكن بطريقة مختلفة، فوسائل الإعلام المتسيدة للمشهد ضخت رسائل إعلامية على مدار الساعة، فرضت فيها عنوة بضعة مجرمين، لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة، في حادثة فرنسا، فرضتهم عنوة على أزيد من مليار مسلم وصاروا تهمة تلاحقهم بهذه الدرجة أو تلك، بضعة نفر جانحين تربوا في الهامش، في الضواحي والتشرد والانحراف، وقد تركوا للشارع والانحطاط ليجدوا فيما تقدمه بعض المدارس الدينية المتطرفة والمحسوبة على الإسلام والمنتشرة في الغرب المتخصصة في التكفير زادا لهم وغطاء لأفعالهم.

هذا الواقع يتطلب مراجعة هذه المنظومات كلها، مدارس تغذي التكفير والكراهية ورفض الآخر بل وإبادة الآخرين لتصبح دليلا وسبة ولعنة تلاحق المسلمين جميعا، مناهج صنعها متطرفون ورجعيون ومعقدون ومعاقون نفسيا يكرهون الناس والكون، وهذا واقع يعلمه الغرب جيدا ويسكت عنه لأسباب انتهازية، حتى ظهر جيل معبأ بهذه المشاعر السلبية يطلق عليه الجيل الثالث من المهاجرين، الذين صاروا حطبا للتطرف فيما صانعو هذا التطرف وداعموه بعيدون عن المشهد يتمتعون بحياتهم ورفاهيتهم.

اليوتوبيا المبنية على الكراهية والتخلص من الآخر هي التي تسود عالمنا اليوم، وتنقاد لها تيارات وجماعات تتزايد باطراد، ليفاقم ذلك وضع مالي ومعيشي وأزمات اقتصادية لا تنتهي.

المجتمعات والدول الإسلامية وقياداتها ساكتة منذ عقود على هذه الظواهر المتنامية، تكتفي بالبيانات والاستنكارات، فلا هي أعادت النظر في مناهج التكفير والكراهية الدينية، ولا هي توقفت جديا أمام هذا الجيل ومعضلاته القادمة، ولا هي أوجدت مقاربات لموضوع حرية التعبير، ولا هي أوجدت صيغ شراكة وتعايشا مستقبليا، هذه السلبية ستبقى بلاء يضرب العالم العربي والإسلامي، ولن يملك أحد غير انتظار مزيد من مخرجات هذا الخراب القيمي والإنساني الذي يتفرج عليه هؤلاء وأولئك عبر الشاشات، دون أن يرف لهم جفن مادام ما يجري لا يمس مصالحهم ولا رفاهيتهم. والخلاصة؛ فتش عن المستفيد من هذه الفوضى وهذا الانحطاط.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر