الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

البكاء من شيم الرجال

أيها المتمنعون عن البكاء أطلقوا العنان لمآقيكم الجافة وحطموا حواجز الكبت فالدموع دليل على أنكم أحياء.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/01/16، العدد: 9799، ص(21)]

"البكاء ليس من شيم الرجال" و"دموع الرجال عزيزة" و"الرجل لا يبكي"، مقولات أكل عليها الدهر وشرب، إلا أن صداها ما زال مسموعا داخل أوساط أغلب الأسر العربية، التي تحاول ثني أبنائها الذكور عن ذرف دموعهم، بدعوى أنها تهدر الرجولة، فيشبون بذلك على الكبت النفسي لمشاعرهم، الذي يشوب حياتهم مستقبلا.

ويجهل الكثير من الآباء أن التربية التي تمنع الطفل من التعبير عن مشاعره الوجدانية بكل حرية، يمكن أن تجعل منه مستقبلا إنسانا متبلد الأحاسيس وجاف المشاعر تجاه أقرب الناس إليه.

وتمثل الحواجز الاجتماعيية التي تقيمها المجتمعات الذكورية على مشاعر الذكر والأنثى عملا بتعاليم المعتقدات البالية والأفكار التي عفا عليها الزمن، أكبر خطر يمكن أن يحدق بالأجيال.

ونظرا لأن التعبيرات الوجدانية للطفل تشهد تطورا كبيرا في مراحل عمره الأولى، فمن مهام الآباء تعليم أبنائهم وتدريبهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا على التعبير عن مشاعرهم، والإفضاح عما يجول بخاطرهم من رغبات وأفراح وأتراح، لأن التعود على كبت المشاعر، قد يكون له كبير الأثر في ظهور أعراض مرضية عضوية ونفسية على المدى البعيد.

وقد أثبتت العديد من الأبحاث أن خطر الوفاة المبكرة يرتفع وبصفة خاصة في صفوف الرجال الذين يتمنعون عن ذرف دموعهم في لحظات الانكسار والمواقف الصعبة التي يمرون بها في حياتهم، بالمقارنة مع النساء اللاتي لديهن استعداد فطري للبكاء في جميع أزماتهن النفسية، ولذلك فهن من وجهة نظر الخبراء يعشن عمرا أطول من الذكور، لأن الدموع تخلصهن من المواد السامة ‏ والكيماويات الضارة التي يفرزها الجسم أثناء فترات الضغوط والإحباط.

ونصح العلماء جميع الأشخاص على حد السواء بعدم التردد في البكاء متى شعروا بالرغبة في ذلك، لأن الدموع تطهر العين من البكتريا والجراثيم وتبعد التوتر والقلق وتغسل الوجدان من الأحزان.

وكم من فائدة أخرى يمكن أن يجنيها الباكون على حالهم أو على حال غيرهم، ولكن قد يحبسون الدمعة في أحداقهم ويكبتونها أو يؤجلونها، بسبب المقامات الاجتماعية والاعتبارات الجنسية التي لا محل لها من الإعراب سوى في الأفكار الخاوية.

وعلى الرغم من أن البكاء صفة فطرية وفسيولوجية في جميع البشر، وليس من العيب أن يبكي الرجال، إلا أن بعض التخاريف الواهية التي لا تستند إلى أي حجج علمية تصنف الرجل الذي يبكي على أنه ضعيف الشخصية، وتحوم حوله الأقاويل التي تستنقص من رجولته وتحط من قيمته، لا لشيء إلا لأنه عبر عن مشاعره الإنسانية.

فيا أيها المتمنعون عن البكاء أطلقوا العنان لمآقيكم الجافة وحطموا حواجز الكبت، فالدموع دليل على أنكم أحياء، والشخص الذي لا يعرف الدمع طريقا إلى عينيه فقد ضلّ طريق الطمأنينة والراحة النفسية للأبد.

وإن عجزتم عن البكاء خذوا فسحة في جلسات البكاء التي تنظمها مدينة طوكيو اليابانية لعلكم تستعيدون توازنكم النفسي ومشاعركم الإنسانية الضالة.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر