السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الإرهاب والإضراب

لا نعرف أي الأمرين قد يستمر اليوم، التضامن مع شارلي إيبدو، أم الحرب على الإرهاب، أم موقف الجريدة المصرّ على استفزاز مئات الملايين من بسطاء المسلمين.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/01/16، العدد: 9799، ص(24)]

مررتُ قبل يومين بإحدى المكتبات العريقة التي تأسست في عام 1817 وهي مكتبة ضخمة تفاخر بأنها تعاملت حتى اليوم مع أكثر من ستة ملايين منتج ثقافي، وقفتُ أتأمّل أغلفة الكتب بلا هدف محدّد، فاقتربت مني عجوز ألمانية تراني وأراها لأول مرة، وهمست لي: “سأمشي حتى محطة القطار، أنا متأكدة أنه هناك”، فكّرتُ بلا صوت، لعل المسكينة مصابة بالزهايمر، ولكنها تابعت حديثها الموشوش: “يقولون أيضا إنه بستين لغة”، فهززت رأسي مظهرا التفاعل، فقالت: “نعم، ولكني يا للأسف لا أعثر عليه”، فقطّبتُ حاجبيّ متأثرا، ولكنها تابعت: “يقولون إنه يوجد منه ثلاثة ملايين”، ابتسمتُ لها، فودعتني بهمسات غير مفهومة ومضت، كانت العجوز تخشى أن يسمعنا الإرهابيون، ولعلها كانت تخشى من إرهابيين آخرين، كانت ضالّتها شارلي إيبدو، التي شوّشت متابعيها بعد قرارها نشر رسم للرسول محمد على الصفحة الأولى، وفي ظل ضياع الطاسة السائد في الرأي والرأي الآخر، في العالم كلّه وليس عند العرب وحدهم، فقد ينقلب الموقف بين الدقيقة وأختها، مرات ومرات، ليصبح الرأي المنطوق حسب السوق.

لكن هذا ليس جديدا، ففي عام 1936 دعت الكتلة الوطنية السورية الشعب إلى الإضراب العام في دمشق وسائر البلاد، فاستجاب الشعب، ولكن ما أن مرّت الأيام العشرة الأولى من الإضراب، حتى بدأ الفأر يلعب بعبّ كبار الشخصيات الوطنية، وعلى رأسهم جميل مردم بك، الذي رأى أن إغلاق المحال التجارية بتلك الصورة، ضرره السياسي أكبر من نفعه، فقرر العمل على إنهائه. واجتمعت الكتلة الوطنية في بيت لطفي الحفار، بحضور الرئيس هاشم الأتاسي والرئيس شكري القوتلي وجميل مردم بك وفارس الخوري وآخرين، وناقشوا الأمر، فخلصوا إلى أن الناس من الممكن أن تتراجع من تلقاء ذاتها وتنهي الإضراب، مما سينعكس سلبا على صورة الكتلة الوطنية كقيادة سياسية للشعب، فاجتمع رأيهم على أن ينزلوا إلى الجامع، ويعلنوا انتهاء الإضراب بعد صلاة الجمعة، فكتبوا بيانا طويلا عريضا، وكلفوا الأستاذ هاني الجلاد بتلاوته باسم الكتلة الوطنية، وكان الجلاد رجلا محترما رصينا مثقفا وحافظا للقرآن الكريم، عمل في الصحافة والأدب.

وفي اليوم الموعود، كانت قيادة الكتلة الوطنية، في الصفوف الأولى للمصلين، فوقف الأستاذ هاني الجلاد على المنبر يقرأ بيان الكتلة، ويدعو الناس إلى إنهاء الإضراب، ولكنه فوجئ بالمصلين وهم يهجمون عليه ويصرخون بأعلى الصوت “يا خائن، انزل عن المنبر، مستمرون في الإضراب حتى تتحقق المطالب، انزل يا خائن”.

حينها وقع أعضاء الكتلة الوطنية في حرج شديد، فخطر لجميل مردم بك ذاته مخرج من الموقف، فوقف يهتف مع المصلّين: “انزل يا خائن، الإضراب مستمر”، فوقف معه بقية الأعضاء، ورفعوا أصواتهم بالهتاف ضد الجلاد، حتى نزل الرجل يجرّ أذيال الخيبة، ونهض عندها مردم بك ليلقي خطابا ناريا حول ضرورة الاستمرار في الإضراب وعدم الرد على الدعوات الانهزامية.

ولا نعرف أي الأمرين قد يستمر اليوم، التضامن مع شارلي إيبدو، أم الحرب على الإرهاب، أم موقف الجريدة المصرّ على استفزاز مئات الملايين من بسطاء المسلمين، أم موقف النخبة العربية التي حينا تقول “لا للإرهاب”، وحينا آخر تقول “لا للإضراب”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر