الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الامبراطور يجر الصحافة إلى الحلبة

الصحافة بعنوانها العريض صارت تجد من يجرها عنوة إلى حلبة الصراع والإسلامفوبيا وأن تصرخ مع المتصارخين وأن تكون طرفا من أطراف المتصارعين.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/01/19، العدد: 9802، ص(18)]

في هوجة أزمة الرسوم وقصة المجلة الساخرة شارل ايبدو، لم يبق حجر ساكنا ولا بركة ساكنـة إلا وأصابها مـا أصابها من أصداء هذه الضجة الكونية الهائلة والتي لم يسبق لها مثيل والمتعلقة بمجلة ساخرة لم يخل تاريخها من الأزمات والتعثرات.

ولهذا ولأن أهل الصنعة أولى بصنعتهم لم يكن مستغربا أن يدلوا بآرائهم فيما يتعلق بهذه الأزمة المستحكمة التي ترتبت على موضوع المجلة لتتوسع القصة أفقيا وعموديا باتجاه موضوع الحدود والسقوف المتاحة لحرية التعبير ما بين مؤمن بهذه الحدود وبين رافض لها وبين الذي يضع الأمر بين بين دون أن يصدر عنه موقف واضح.

في وسط هذه الأجواء لا تتوقع من واحد من أساطين الصحافة والإعلام في العالم من وزن (روبرت مردوخ) إلا أن يضيف جملة مفيدة للمساهمة في رصد وتقويم الأزمة القائمة لكن من غير المتوقع أن يأخذ مردوخ الموضوع بعيدا باتجاه تحميل المسلمين قاطبة مسؤولية ما اقترفه الإرهابيون. ذلك التصريح الغريب والانفعالي والمتسرع وغير المنطقي لم يكن الكثيرون ليتوقعوا أن يصدر من أحد عمالقة الميديا في العالم وهو الذي يتربع على عرش أهم وسائل الإعلام في الولايات المتحدة وبريطانيا ونيوزيلاندا واستراليا حتى تندر بعض المعلقين قائلين أن مردوخ الصحافة قد جعلها في ذمتكم.

لكن جر الصحافة بعيدا باتجاه زجها في دوامة الصراع الذي أخذ أحيانا بعدا عنصريا لم يكن لا أمرا مسوغا ولا مقبولا، فالحريات الصحافية والوصول إلى الحقيقة وإلى المعلومات حق مكفول وراسخ لا نقاش فيه، أما وجود أو عدم وجود حدود وسقوف لحرية التعبير فتلك مسألة فيها نظر بل إن البابا نفسه صرح مؤخرا قائلا، نعم إن لحرية التعبير حدودا، مستهجنا المساس بمشاعر الآخرين.

المهم أن الصحافة بعنوانها العريض صارت تجد من يجرها عنوة إلى حلبة الصراع والإسلامفوبيا بشكل مباشر وأن تصرخ مع المتصارخين وأن تكون طرفا من أطراف المتصارعين وهو ما لم يزل مرفوضا من لدن قسم كبير من الصحافة الحرة والمستقلة.

هنا لم تسلم تعليقات مردوخ من الردود المباشرة عليها، فعلى سبيل المثال نجد أن صحيفة “ديلي ميل” البريطانية قد كرست تغطية لتلك التصريحات في أحد أعدادها الأخيرة كما عرضت بعض ردود الأفعال تجاهها ومنها مثلا الرد اللاذع من طرف الروائية الكبيرة ج . ك . رولينغ، صاحبة سلسلة هاري بوتر التي استهجنت تصريحات مردوخ وقالت باعتبارها مسيحية فهل معنى ذلك أنها تتحمل مسؤولية تصريحات مردوخ على أساس أنه مسيحي؟ فكيف يتحمل كل المسلمين مسؤولية أناس خارجين على القانون وخاصة أن الإرهابيين قد قتلوا من المسلمين حتى الآن أضعاف ماقتلوا من غير المسلمين والكلام لرولينغ نفسها. كل ذلك وأصداء وردود أفعال أخرى دفعت مردوخ للتراجع عن تصريحاته وأنها قد أسيء تفسيرها وأنه لم يقصد مهاجمة جميع المسلمين أو اتهامهم بل الإرهابيين منهم.

لعل إشكالية الخلط بين وظيفة الصحافة الحرة والمستقلة ومتغيرات السياسة وأن تكون الصحافة ذيلا للسياسة وتابعا صغيرا راضخا لها، هي الإشكالية المتصاعدة اليوم، مثل محاولة السيد مردوخ زج الصحافة المستقلة في إدانات انفعالية غير متوازنة.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر