الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

بوش الثالث قادم

بوش الثالث مجرد عنوان لحقبة سياسية أميركية قديمة جديدة قوامها 'الحديد' لا 'الحرير'، وجوهرها 'العصا الغليظة' وكينونتها 'الثنائيات البنيوية القمعية التعيسة'.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/01/20، العدد: 9803، ص(8)]

كما كان عنوان إسقاط الإمبراطورية السوفيتية والسيطرة على “دويلاتها” المتناثرة شرق أوروبا، محلّ استجلاب الحزب الجمهوري ممثلا في جورج بوش الأب إلى البيت الأبيض نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، وكما كان شعار محاربة “الإرهاب” في أفغانستان وباكستان وإضعاف “محور الشرّ” في الشرق الأوسط، مكمن وصول جورج بوش الابن مرشّح “الجمهوريين” إلى المكتب البيضاوي مستهل العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، فإنّ “استحقاق” الحرب على الإرهاب “الداعشي” الذي “ثار” على فكرة “الإرهاب القاعدي” من حيث تجاوز مرحلة “إحراج” الدولة الوطنية، إلى مرحلة بناء “كيان” تكفيري يسيطر على جغرافيا متواصلة، سيكون جوهر استدرار شعبي أميركي لرئيس جمهوري يرجع سياسة بوش إلى دوائر اتخاذ القرار الأميركي في انتخابات 2017 القادمة.

وكما كان “التغيير” الاجتماعي والسياسي والدبلوماسي سبب وصول باراك أوباما إلى البيت البيضاوي، فإنّ “مطلبيّة” التغيير الأمني والعسكري ستمثّل عنوان وصول جيب بوش أو -”بوش الأخ”- إلى كرسي الرئاسة الأميركية في 2017.

ذات مكوّنات المشهد الدولي التي أفرزت وصول بوش الابن إلى كرسي الرئاسة، تتكرّر بصيغة أكثر حدّة، فالإرهاب الذي كان مطمورا في جبال تورا بورا، بات اليوم مسيطرا على مساحات جغرافية واسعة وتحت يده أعتى أنواع الأسلحة المتوسطة والثقيلة وأصبح معولما وعابرا لكافة الجنسيات العربية الإسلامية، كما أنّ الغريم الروسي تجاوز مرحلة الانكماش المحلي، وأمسى منافسا عتيدا لواشنطن في مفاصل استراتيجية سياسية واقتصادية كثيرة ولم يتردد في رفع الفيتو ثلاث مرات متتالية في وجه واشنطن معلنا “استرداد” هيبة الاتحاد السوفياتي.

أمّا إسرائيل، فيبدو أنّ أعداءها المتربصين بها في جنوب لبنان وقطاع غزّة يزدادون تسليحا وتحضيرا لمواجهات عسكريّة مع إسرائيل قد تكون هي البادئة بها، ولكنّها لن تكون صاحبة قرار إنهائها أو صاحبة قواعد المواجهة المرتقبة، ما يعني أنّ واشنطن مدعوّة إما إلى فرض تسوية شاملة في الشرق الأوسط وفق توصيات قمّة بيروت 2002، وهو ما ترفضه تل أبيب، وإما هي ملزمة بزيادة “جرعة” الالتزام العسكري والدبلوماسي والسياسي والقانوني الجنائي بأمن إسرائيل، ما يعني أنّها ستكون منخرطة في أي مستقبل للمنطقة العربيّة.

ما بين “حرب ناعمة” ضدّ موسكو، وثانية مشتعلة مع الإرهابيين، أصدقاء الأمس القريب، وثالثة بالوكالة ضدّ أعداء تل أبيب، ورابعة تنتظر إعلان احتضار الاتفاق النووي مع إيران، يفرش “رماد” نيران الحرب والدماء والدمار زرابي اعتلاء “جيب بوش” سدّة السلطة في المكتب البيضاوي.

ثلاثة مسالك على الأقلّ ستفضي بقبض “بوش الثالث” على الكرسي البيضاوي:

1 - مسلكيّة داخليّة محلية عبّرت عن نفسها في الانتخابات النصفيّة البرلمانية الأخيرة باختيار الجمهوريين، وعبّرت عن نفسها أيضا بأنّها تريد الأمن قبل الاقتصاد في ظلّ وجود عشرات المقاتلين الأميركيين في صفوف “داعش” وتنظيمات إرهابية أخرى.

2 - مسلكيّة سياسيّة “يمينيّة” تعبّر عن نفسها بصعود التيارات اليمينية المحافظة في أوروبا، وهي تيارات تبني سياساتها على “الهوية الوطنية” الأحادية ومعاداة الجاليات الأقلياتية وخاصة منها الأقليات المسلمة.

3 - مسلكيّة دولية فوق “قانونية” تجعل من محاربة الإرهاب مبدأ أعلى من المنظومات التشريعية الدوليّة ومن القرارات الدوليّة، الحرب على الإرهاب الداعشي في سوريا والعراق مثلا لم تحتج لقرار أممي من مجلس الأمن، والأكثر من ذلك أن الأمم المتحدة لم تحتج على هذا التجاوز الخطير.

وفق هذا التحليل يكون السياق السياسي والدولي هو الفاعل الحقيقي لفرض وجوه انتخابية واستبعاد أخرى، ويكون الخطاب والأداء الدعائي نقاط ثانوية في معادلات فرضتها عوامل الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والعلاقات الدوليّة.

هكذا أيضا يكون بوش الثالث مجرد عنوان لحقبة سياسية أميركية قديمة جديدة قوامها “الحديد” لا “الحرير”، وجوهرها “العصا الغليظة” وكينونتها “الثنائيات البنيوية القمعية التعيسة”، قد يكون بوش الثالث مختلفا عن بوش الابن والأب، بيد أنّ السياق والاستحقاق سيفرضان عليه استنساخ تجربتهما الدامية والمدمّرة، وتلك هي السياسة في بلاد العم سام.

كاتب صحفي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر