الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

سفارة العراق في الفلوجة

سفاراتنا استخدمت لسياحة الأهل والأقارب ولجمع الرواتب السخية من الخارجية، ولاصطياد الخصوم وتعقب المطلوبين أصحاب الألسن الطويلة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/01/21، العدد: 9804، ص(9)]

الدبلوماسية، كلمة أو مصطلح يخفي خلفه وجها أوليا تم ابتكاره استنادا إلى ما نتداوله اليوم بإنتاج واسع، الحقيقة لاذعة، وتعني النفاق أو الاستخدام المزدوج والمتناقض وتبديل المواقف والسحنات لنيل الأهداف المرجوة، ولأنها، أي الدبلوماسية، ترتبط بالتفاوض، فالمعنى في حصولك على الوثائق التي تمكنك من التجوال بحرية والاستقصاء والبحث في أرض غير أرضك، واليوم نستخدم كابسة تربط الأوراق وتمنع فرط عقدها، ربما بدأت في القرن السابع عشر، أي قبل الكبس والحصر، استخدمت قطعة من الحديد (كلبشات) لشد وثاق الوثائق وسميت دبلوما، المهم بدأت الدبلوماسية في العالم وتم إنشاء السفارات وابتعاث المبعوثين لأغراض الإقناع والتفاهم والتواصل واستخدام الكابسات لإيقاف المتعنتين في الخصومات الدولية، وعدم السماح بانفلات الحروب إلا بعد فقدان أمل الحوار والتوصل إلى حلول.

كانت السفارات والقنصليات والعاملون فيها وما زالت، مثار إشكالات ومسببات أزمات، وليس غريباً أن تتداول وسائل الإعلام، إلى يومنا هذا، طرد عدد من الهيئات الدبلوماسية غير المرغوب فيها، وأحيانا التعامل بالمثل، لحفظ ماء وجه وكرامة الدولة وهيبتها بين الأمم، وفي جعبة معظم الدول ما تخفيه في حقائبها (حصانة) مكفولة في الاتفاقات والمعاهدات الأممية، لكن تظل الدول (تلعب بذيلها) واحدة على الأخرى رغم الوجه البارد الدبلوماسي، ولنا في تاريخ السفارات المكان الأمثل للجاسوسية، قصص وروايات وأفلام اعتمدت المقرات الدبلوماسية لبدء نسيج العنكبوت الواهي وحتما “تحت السواهي دواهي” كما يقول المثل، وبعد حين تتكشف مخاطر الاختراقات عن طريق التشغيل المحلي من جنسيات البلد الذي فيه السفارة، والشطارة في كيفية التمويه والتدليس والحبكة، ربما الجاسوس أو الجاسوسة لا علاقة لها بالخيوط الأولى أو التجهيز (الديلفري) المسبق بخدمات التوصيل السريعة، بعضها يرتبط بالأعداد، لكن بعضها الآخر بالتجنيد بعد اكتمال التحريات الخاصة بالسفارة وأجهزتها في أرضها الأم، أو داخل حدود السفارة.

ربما الموظفون العاديون جدا أو أصحاب الخدمات الفنية أو عمال التنظيف أو المضيفات، وهنا تبدأ حكاية الإغواء والإثارة، وصولا حتى إلى الحب ومخدات الأسرار الدولية في مخادع العشاق، وتتفنن الدول في حصادها المعلوماتي ومراقبة الأشخاص وتقع الواقعة، فإذا بالحب مثلا يؤدي ببلدين أو أكثر إلى حرب خفية ثم معلنة، لتحصد أرواح الآلاف من البشر.

مع التقدم ومغادرة (الفينة الحمراء أو الطربوش أو القبعات السياسية) المشهد الاحتفالي لحفلات السفارات القديمة، صارت الجاسوسية ممارسة تصل إلى المراهقين وعشاق الهكرز والقابعين خلف حاسوب يجوب العالم وأزقة الملفات، في أرقى وسائل التشفير والترميز المعقدة جدا، مع ذلك، الأسلوب القديم مازال حيا ولم يركن في الرفوف العالية، كل شيء جائز وحلال، ولا يظن أحدكم أبدا أن بلدا ما لا يتجسس، فذلك من سلبيات العمل الدبلوماسي بين الدول، الكل يتجسس والأعذار عند الفضائح جاهزة، الحرب الاقتصادية، وجود المافيات الدولية، الإرهاب، القرصنة، المعلومات الخطيرة، إلى غير ذلك، حتى بلادنا قديما وحديثا (أقصد الزمن وليس التطور) فنحن مثل المثل المعروف لديكم، استخدمنا سفاراتنا لسياحة الأهل والأقارب ولجمع الرواتب السخية من الخارجية، ولاصطياد الخصوم وتعقب المطلوبين أصحاب الألسن الطويلة، ورغم غياب الرومانسية من قصص الدبلوماسية، لكن في ذاكرتي عشرات الأمثلة لسفراء مثلوا بلدانهم ومنها العراق خير تمثيل، وكانوا شركاء في إرساء قواعد الصداقة والاحترام وتقديم التسهيلات في تعاون مشترك يخدم الاقتصاد والسياسة والثقافة وتقارب الشعوب.

سفاراتنا عليها أن تدرك أنها مجسات لاستشعار الأحداث ورصد معالم الأفكار في كل الاتجاهات للبلد المضيف، ولواقعنا في العراق أحاديث في الإدارة وتسهيل الوثائق لمواطنيها وهي خدمات لا تحتاج مهانات المراجعات والرشاوى والانتظار وتخلف الجهاز الإداري الحكومي الذي مازال يراوح في الأختام المختارية والتواقيع البلدية وشهادات الحصة التموينية ومراكز الشرطة وغيرها.

صديق لي (مشلوع قلبه) تم تهجيره في عام واحد هو وأسرته إلى أكثر من مكان، ذهب لتجديد جواز طفلة لا تتعدى العاشرة، قال له الموظف الكبير في سفارة بلاده بعد حركة الطابور المهين وعند وصوله نافذة الرحمة: صورة ابنتك في هوية الأحوال المدنية بعمر صغير والتعليمات لا تسمح؟ وماذا أفعل؟ اذهب إلى الفلوجة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر