الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

عسكرة الحياة وخوف المجتمعات

هذا الفصل من الصراعات الأيديولوجية تسعى أطراف كثيرة ومؤسسات من أجل إذكائه وتوسيعه، وجعله علامة على نكوص ديني وأخلاقي وقيمي وإشكالية مجتمعية كبرى.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/01/23، العدد: 9806، ص(8)]

لعل المتابع اليومي للإجراءات التي تتخذها العديد من الدول الغربية يتأكد له حجم التحشيد والعسكرة والقلق والتوتر الذي صار يشيع يوما بعد يوم، ومن ثم تصاعد القرف من هذا الوضع الذي يُشعر الآخرين أنهم ليسوا في مأمن، وأن الإرهاب من الممكن أن يضرب في أية لحظة، كأنه كائن “الميمكس” الأخطبوطي الشرير، الذي لديه قدرة فتاكة على أن يخرج فجأة من تحت الأرض، فيجهز على خصومه كما في فيلم حافة الغد، واقع غريب وكافكوي بامتياز، فالكائن الشرير سيتحول إلى مسخ وكائن وحشي يطارد الأبرياء ويمزق الإحساس بالأمن والأمان، ويلاحق الحقوق والحريات المدنية حيثما وجدت، بالإرهاب هادم اللذات ومفرق الجماعات.

خلاصة تتعلق بهذه التراجيديا التي أفضى إليها هذا الواقع المتوتر المرير الذي صارت فيه ميزانيات الدول تُستنزف بالعديد من المليارات لدرء شرور بضعة نفر يحملون أيديولوجيا شريرة وقد وضعوا البشرية كلها، بمن فيهم المسلمون، أمام أسئلة مصيرية حول هذا الوباء الكارثي، من أين جاء وفي أية مخابر تربّى، ومن أية أيديولوجيا ظهر؟

مشهد طلب البراءة من هذا الغول وبراءة الذمة من الإرهاب وتبعاته صرنا نشهد فصولا كاريكاتورية منه في وسط دول ومؤسسات كانت بالأمس القريب من أشد المشجعين لأبنائها وشبابها للالتحاق بمعسكرات الدماء، والذهاب إلى بؤر القتل والانتقام، وكانت شاشاتها تكتظ بأرقام التلفونات لغرض التبرع لتلك البؤر الإجرامية، ولكن بعد أن اشتد عود الجماعات الإرهـابية والتكفيرية وصـار كائن “الميمكس” يضرب يمينا وشمالا، لا يهمه أكان المقتـول من أي ديـن وفي أية سن، وسواء كان امرأة أو طفلا أو شيخا أو عسكريا، والحقيقة هي حال الجائحة التي إذا ألمت ببلاد ما، صارت وباء لا يفرّق بين هذا وذاك، ولا يرأف بأحد فالكل في دائرة هذا الوباء.

هذه الإشكالية التي نعيش فصولها اليوم دفعت إلى قيام دول عديدة بإنزال جيشها إلى الشارع، وصار الجمهور أمام مشاهد فريدة للجنود ببزات قتالية ومدافع رشاشة وهم يجولون في العديد من شوارع المدن الأوروبية، فيما يتعالى صراخ العنصرية ودعواتها الجنونية لإذكاء الإسلامفوبيا على كل نطاق.

إن هذا الفصل الدراماتيكي من الصراعات الأيديولوجية تسعى أطراف كثيرة ومؤسسات من أجل إذكائه وتوسيعه، وجعله علامة على نكوص ديني وأخلاقي وقيمي وإشكالية مجتمعية كبرى، كما هي شعارات أقصى اليمين المتطرف في استعدائه للمجتمعات والجاليات المسلمة برمتها، والشعوب المسلمة وصولا إلى الدين الإسلامي كله، وهي شعارات لا تفرق بين هذا أو ذاك.

إن هذه التعبئة غير المسبوقة وغير المتوقعة تفرض واقعا جديدا قابلا للتفاقم والسوء أكثر وأكثر وسط مشهد الوجوم والحيرة الذي أصاب كثيرا من الشخصيات والمؤسسات الإسلامية، وهي ترى أن مجتمعات بأكملها قد أصبحت موضع اتهام دون جريرة تذكر، وأصبح الاتهام سيد الأدلة في مفارقة سيريالية شاذة يدعمها من نزعوا العقل واستبدلوه بالهستيريا وإشعال النيران بدلا عن إطفائها.

الكل اليوم أمام استحقاقات يفرضها هذا المجتمع المعولم، فالصرخة في أية بقعة سرعان ما ستسمع حتى على مستوى القرى والمداشر، ولهذا صار لزاما الحذر والوعي الشديد وتصحيح الأخطاء الكارثية السائدة حتى الساعة في العديد من المجتمعات المسلمة فيما يتعلق بمناهج التعليم التي هي في حاجة إلى إصلاحات شاملة، وإلى تصحيح دور وسائل الإعلام المتخلفة، وإلى إعادة النظر في موقع المرأة في الحياة والمجتمع، وإلى الكثير من متطلبات إعادة تأهيل الدولة وهيكلتها، والرأي العام وتوجهاته لغرض إعداد الجميع إلى واقع جديد يكون فيه المجتمع نابضا بالحياة، متخلصا من الاحتقانات والنزعات الذاتية للصراع.

في موازاة ذلك لم يعد يستقيم مع العقل ولا المنطق استمرار الصراعات العربية – العربية، والإسلامية – الإسلامية، والمذهبية – المذهبية التي صارت هي المناخ الحيوي لإنتاج التشدد والبيئة الحاضنة لأشكال شتى من التطرف والغرائبيات في السلوك وردود الأفعال وهو ما شهدنا فصوله في فضاء الصراعات التي نشأت في العراق، ثم في سوريا، ثم في اليمن.

صراعات ترافقت مع الدعوات لمصطلحات ضبابية للحرية والديمقراطية وإسقاط الأنظمة الدكتاتورية، رافقتها ونشأت في كنفها بؤر إرهابية توسعت واستقوت بتمويل وتبرعات وتغطية عربية وإسلامية مباشرة، فالمتورطون في أوهام الجهاد والداعمون لتلك الشراذم والجماعات صاروا يدفعون ثمن ذلك المطب والحفرة السحيقة التي سقطوا فيها.

الغرب اليوم يراقب هذا الذي تحدثنا عنه، ومخططوه يرون بشكل واضح ملامح العجز الفاضح لدى النظام العربي عن التصدي لمسؤوليته وإخراج جمهوره من كل هذه المآزق المريرة.

مآزق وامتحانات عسيرة ومريرة تواجه النظام العربي برمته لم يعد يجدي معها الانكفاء على الذات والتقوقع والانصراف عن شواردها، وترك النار الإرهابية مستعرة في ساحات عربية أخرى وليكن ما يكون، هذا المنطق المشوّه هو الذي جعل الغرب، وأوروبا، يشعر أنّ على عاتقه مهاما جساما فشل النظام العربي، فشلا ذريعا، في التصدي لها في ظل الانقسامات والصراعات والكراهية والأحقاد العربية – العربية والإسلامية التي صارت مضحكة أمام مشهد الأمم وهي تلتحم من أجل مصالحها وتتخلى عن صراعاتها.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر