السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

دعاء الكروان

شيوخ ظرفاء باتوا نادرين اليوم، أما أنا فما تزال تسحرني زهيرية الشيخ الحاج زاير الدويج أعظم شعراء العامية العربية على الإطلاق، وكأنها قيلت مطلع هذا الشهر.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/01/23، العدد: 9806، ص(24)]

كان حظي يلقي برجال الدين في طريقي بين الفترة والأخرى، بعضهم كان من النفوس الزكية البريئة تعلمت منه الكثير، والبعض الآخر ممن يعددون بطولاتهم بحسب قدراتهم على إبكاء المصلين في خطب الجمعة التي يلقونها، آخرون كانوا يذهبون بعيدا في سرد حكايات وكرامات حدثت وتحدث لهم وبسببهم دون أي تلعثم أو ارتجاف في الصوت، منهم أحد أئمة الجوامع الذي استفاض في أول لقاء بيننا بالحديث عن أنه خصص خطبة من خطبه لتنوير الناس حول الفتوحات، وأن الجامع الذي خطب فيه هاج وماج عندما قال إن خالد بن الوليد عاد مرة في إحدى المعارك ليبحث عن عمامته، ووعد بدفع الغالي والنفيس لمن يحضر له العمامة التي وقعت منه أثناء القتال.

وحين جاؤوه بها، سأله كبار الجند: “ما سرّ اهتمامك بالعمامة أيها الأمير؟”، فقال: “لا تهمني العمامة ولكني كنت قد دسست فيها شعرة من رأس النبي أتبارك بها في حربي”، فكبّر المصلون، وبعد انتهاء الخطبة بخمس دقائق فقط، تقدّم من الإمام شاب يرتدي بدلة أنيقة، وقال له: “أتدري ماذا أحمل في حقيبتي يا مولانا؟” فقال: “لا”، فقال له: “أحمل الشعرة التي كنت تتحدث اليوم عنها والتي كانت في عمامة خالد ورثتها أبا عن جد!”.

شيخ آخر صار صديقا لي، أثناء خدمة العلم، وكان يركض معنا في سباق الضاحية بلحيته الطويلة والشورت، ظل يقنعني لثلاثة أشهر متواصلة بضرورة أن نغامر ونهرب من القطعة العسكرية لعدة ساعات فقط حتى نصلح من شأننا، وكان الهروب الكبير عبر جبال القلمون، حين كانت الحرارة تصل إلى اثنتي عشرة درجة تحت الصفر، وكنا ننام في الدبابات، بحثا عن الدفء، طاوعته أخيرا، ففوجئت بأنها كانت المرة الأولى التي يهرب فيها هو أيضا، فقطعنا كيلومترات بين الجبال الوعرة مشيا على الأقدام، بين كهوف تشتهر بسكانها من الضباع الحقيقية، التي كانت تلوح لنا في الأفق الفجري، وكان الشيخ مذعورا يقرأ طيلة الطريق: “وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون”.

شيوخ ظرفاء باتوا نادرين اليوم، أما أنا فما تزال تسحرني زهيرية الشيخ الحاج زاير الدويج أعظم شعراء العامية العربية على الإطلاق، وكأنها قيلت مطلع هذا الشهر رغم مرور مئة عام عليها أو زيادة، وكان هو الآخر صوفيا بشكل أو بآخر، تلك التي يقول فيها: ” تَمّيتْ أحومْ على شوفَكْ بسْ أروحنْ واردْ، أبغي ودادكْ وأروم من المراشف وِرِدْ، محتوم ذكـــرك علينا بكل فريضة ورد، من حيث باسمك تتم فروضنا والدُّعـا، رضوان حسن الحواري بوجنتكْ ودَّعه، والورد قدم لوايح واشتكى وادعـــى، ويقول انتَ الورد وشلون تِشتَم وَرِد؟”.

اليوم ترك رجال الدين الملاحة والظرف والموعظة الحسنة والحب، حين انصرفوا إلى السياسة وطلبوا الولاية، وطالب الولاية لا يولّى.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر