السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

'حوثنة' اليمن السعيد

سطو الجماعات الهوياتية المسيسة على الحراك اليمنيّ العفويّ حوّل اهتمام الدولة من استحقاق 'الحرية والعدالة الاجتماعيّة والكرامة'، إلى حقوق الانفصاليين في مزيد من الانفصال وإلى حقّ الحوثيين في “حوثنة” الدولة اليمنيّة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/01/27، العدد: 9810، ص(8)]

بات اليمن الجديد، يَمَنُ ما بعد “الربيع العربي” بلا رئيس وبلا حكومة يبحث عن تسوية سياسية في البلاد تضع اللبنة الأخيرة لإعلان “اللادولة” في اليمن.

ذلك أنّ أي تسوية سياسية في اليمن ستكون بالضرورة على حساب الدولة، التي تعلقت بحقيقة وبمفهوم “الوحدة” بين الشمال والجنوب، فالانفصاليون في الجنوب، والمتمردون المذهبيون في الشمال، لا يزالون يقاربون مسألة التسوية السياسية من زاوية “حقوق الهويات الطائفية والمناطقيّة” على الدولة اليمنية الوليدة، وليس من بوابة “واجبات الهويات الإثنية” حيال الدولة وحيال استحقاق الوحدة الترابية والسيادية لليمن.

وقد تكون واحدة من أهمّ المفارقات السياسية الإستراتيجية في موضوع “الهويّة والأقليات” أنّه دائما ما يطرح في سياق عربي على أساس “واجبات” الدولة القُطريّة حيال الإثنيات المتنوعّة، في حين أنّ ذات القضية تنزّل في الغرب في سياق “واجبات” الأقليات الوافدة والرافدة حيال الدولة الوطنية.

فشلت القيادة السياسية في اليمن في إدارة التنوّع والاختلاف مع “الهويات” المسيسّة القلقة والمعارضة لكافة مفاهيم “الوحدة” والتقارب والمصير المشترك، ودخلت في سياق ترضيات سياسيّة مخزية أفضت في الأخير إلى بلورة دستور يحوّل اليمن من دولة الوحدة بين الشمال والجنوب إلى دولة فيدراليّة تفتح شهيّة الأقاليم للانفصال الناعم عن العاصمة المركزيّة.

سطو الجماعات الهوياتية المسيسة على الحراك اليمنيّ العفويّ حوّل اهتمام الدولة من استحقاق “الحرية والعدالة الاجتماعيّة والكرامة”، إلى حقوق الانفصاليين في مزيد من الانفصال وإلى حقّ الحوثيين في “حوثنة” الدولة اليمنيّة.

“حوثنة” اليمن قد تكون العبارة الأكثر تفسيرا للواقع اليمني، من حيث أنّ “الجماعات الانفصالية” في العالم العربي حصرا لم تعد تسعى إلى الانفصال عن السلطة المركزيّة، وإنّما باتت تلتهم مؤسسات الدولة ودوائر اتخاذ القرار وتحتل جغرافيا المطبخ السيادي في اليمن وهذا هو مصير ومسار الدولة عندما تستأسد الميليشيات على المؤسسات وعندما تعمل بارونات الإعلام والمال والسلاح على “مأسسة الميليشيا” في العالم العربي.

الخطير في المشهد اليمنيّ أنّ “التوليفة” القادمة لتسوية الأزمة في اليمن ستكون على شاكلة “اتفاق” الطائف لحلّ الأزمة اللبنانية في 1989 و”عبقريات” الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي لتسوية الأزمة العراقيّة بعد احتلال العراق في 2003 أو إبداعاته في تسوية الأزمة الأفغانية عقب احتلال أفغانستان في 2001، وهي توليفات قامت على أساس “ترحيل” الأزمات السياسية إلى الهويات الإثنية، وتقسيم السلط الثلاث وفق “الموجودات الإثنيّة” في البلاد وبالتالي إسقاط الدولة ككيان سياسي ما فوق الهويات الإثنية والعرقية والمذهبيّة، وإحياء عبارة “الهويات” الحاكمة من صفحات الانحدار السياسي في الأوطان العربية والإسلاميّة.

وفي الحالة اليمنية، من الواضح أن هوية دينية محددة باتت هي الغالبة في المشهد السياسي، وباتت أيضا هي الأقدر على فرض أجندتها وأجندة من يرى في الأقطار العربية مجالات توسّع لـ”قوته الناعمة” وميادين تمدّد ل”قوته الناريّة” عبر فوهات بنادق “الوكلاء”.

قد تكون “حوثنة” اليمن هي المحصلة السياسية لسببية تفكيك الدولة وانهيار المؤسسات وصعود “القوى الميليشاوية” شبه الرسميّة وشبه التنظيمية، وهو ذات المشهد الذي حصل في العراق عقب سقوط الدولة العراقية وتفكيك الجيش العراقي وبداية ظهور الميليشيات الشيعية كقوّة عسكرية “شبه رسميّة”، وقبلها انتشار “قوات البشمركة” في إقليم كردستان كعناصر رديفة للجيش، وهو ذات المشهد الحاصل اليوم في ليبيا حيث أصبحت ميليشيات الإخوان المسلمين والميليشيات السلفية مسيطرة على أجزاء واسعة من الجغرافيا الليبية.

اليمن السعيد اليوم فوق فوهة بركان، لا فقط لأن دول الجوار المتدخلة في الشأن اليمني لم تصل بعد إلى حالة التوافق والتقاطع التي تؤهلها لتسوية سياسية شاملة في الشرق الأوسط، تبدأ من سوريا ولا تنتهي عند لبنان واليمن، وإنّما لأنّ “حوثنة” اليمن ستثير “هويات قاتلة” تكفيرية إرهابية تقتات من الفقر والجهل والأميّة والتعصب المذهبي، وتلك هي حطب نيران “الدواعش” في العالم العربي والإسلامي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر