الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

ساطور مايكل

العالم ينسكب عبر السنوات بمكوناته وثقافاته وحطام تاريخه وأديانه، ليولد بعيدا عن رقابة المثل العليا الضامنة للحياة الإنسانية عالم آخر مجهول الأب والأم.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/01/28، العدد: 9811، ص(9)]

مازالت صورة مايكل أويبولاجا في مايو 2013، وهو شاب من أصول أفريقية، راسخة في ذاكرتي، ليس لأنه يحمل الجنسية البريطانية، بل لحمله ساطوراً يقطر دماً، بعد أن أجهز على شرطي بريطاني بريء في واحد من أفقر أحياء لندن، وقالت عنه امرأة مستطرفة: لم يكن سكيرا، بل كان غاضبا.

اليوم، العالم يتداعى أكثر من رواية النيجيري تشينو اتشيبي “الأشياء تتداعى” الذي شيع في ذات النهار الذي رفع فيه مايكل ابن بلده، ساطوره في وجه العالم.

قبل أسابيع حدثت مذبحة شارلي إيبدو في قلب العاصمة المدللة باريس، وكانت الدماء مقابل السخرية ورفع الرقيب عن حرية الرأي في القوانين الفرنسية، رقعة الدم تتسع وتشمل المدنيين في أوكرانيا، وأكيد سنشهد الدماء تتدفق بغزارة من ثقوب الجسد الأرضي لغياب الحياة المتكافئة وزيادة الفوارق في نمط العيش والثقافة والصحة والتعليم وعدم إشباع البطون الخاوية، مهما قلنا وكتبنا تبقى الحقيقة كامنة في إدارة ما بداخل الجمجمة البشرية نحو الأمل وتقليل فجوة اليأس عند البشر.

تناقضات لا علاقة لها بالتعليم، الكثير من الأطباء والمهندسين بين صفوف المقاتلين المتشدّدين في سوريا والعراق، الكثير من الميسورين والذين لا يحتاجون المال، يندفعون في الانضمام إلى عمليات انتحارية، الفقراء ينخرطون ربما لأسباب المهانة وحياة لا جدوى منها ويمكن أن يجنّدوا لأسباب نوفّر لها القناعات بالمنطق. ما الذي ينهار في أفريقيا ومنطقتنا لتتهيأ لشعوبها الرغبة الملحة في الهجرة؟ حتى ولو بقوارب يحشرون فيها ويجازفون بحياتهم وحياة عوائلهم للخلاص من بلدانهم. أقوام بشرية تتكتل حول جذورها القومية والدينية والطائفية لتحتمي بنوعها في الأقلية المنسجمة على الأكثرية المنفلتة، صراع الكتل الكبيرة، صراع الأقليات، نزوع الأصغر في الحجم للنيل من الأكبر، هيمنة القوة على مقدرات ومصير الحلقات الأضعف، غياب الفهم المشترك لأصول التنافس في المصالح الدولية، يؤدي إلى خسائر كبيرة في صلة الإنسان ورغبته في الحياة، الجشع المستشري في الشركات برؤوس أموالها المندفعة وابتلاعها لأرباح الشركات الصغيرة، أدى إلى أزمات مالية ترنّحت تحتها دول واستدانت وزادت فيها نسب البطالة، الإرهاب الدولي المنظم والاحتلالات الحمقاء واكتساح الجيوش وتغيير البنى وتدمير مجموعات إنسانية مستقرة لصالح الفوضى، وإطلاق سراح عقد التاريخ وغيلانها الفكرية من جحور الحكايات والمؤلفات، وتحشيد الملايين لإعادة الصراعات التقليدية في موجة ثأر وانتقام لا مثيل لها، استغلال الواجهات الإعلامية لزيادة التناحر وتفاقم سيل الغيبيات لأعمام الجهل، وتقديم الغايات والإستراتيجيات على حياة الناس ونمط توجهاتهم ورضوخهم لأيديولوجيات تغيب فيها الرغبة في الوجود والتعايش مع الآخر.

انفلات الساطور في يد الناقمين على الحياة، شعور يتنامى إما باتجاه اليأس، أو تكدس اليأس ليتحول إلى مأزق، ولا يظن أحداً أن المشاعر القومية أو الدينية أو المذهبية ودق الطبول في المجالس الأممية أو التحالفات أو البرلمانات، ستعيد الاستقرار إلى الأوطان، فالحدود والأمن القومي للدول لن يكون بمعزل عن الخروقات المحتملة.

العالم ينسكب عبر السنوات بمكوناته وثقافاته وحطام تاريخه وأديانه، ليولد بعيدا عن رقابة المثل العليا الضامنة للحياة الإنسانية، عالم آخر مجهول الأب والأم.

نحتاج إلى مصارحة حقيقية وحوار شعوب وثقافات وأديان، يقوم على إنقاذ العائلة الإنسانية وإيجاد المشتركات وتقليل اليأس في الإنسان ومنحه جواز مرور للحياة.. سأكتفي بساطور مايكل النيجيري وهو يهوي على كوكب الأرض.. هذه الصورة ليست كاريكاتيراً ولا مانشيت فيلم هوليودي.. إنها صورتنا نحن جميعاً، صورة لغضب يتجمّع.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر