الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

زمن الميليشيات

معادلة الميليشيا في وجه الميليشيا هي الحاكمة في زمن الميليشيات، وسواء انتصرت هذه الميليشيا أم تلك فالمحصلة كيان فاشل وقرار سيادي خارج القطر وسلاح عاجز عن الإصلاح.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/01/31، العدد: 9814، ص(9)]

سيطرة الميليشيات الحوثية على العاصمة صنعاء واستيلائها على القصر الجمهوري وعلى المؤسسات السيادية في اليمن لا تعدو أن تكون جزءا أساسيا من منتوج سياسي استراتيجي في المنطقة العربية يقوم على “مأسسة الميليشيات” وإسقاط الدولة المركزيّة.

لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ منظومة “الربيع العربي” عملت في الدول العربية التي أصابتها رياح “التغيير بالتدمير”، على أساسين اثنين، أوّلهما سحب بساط الشرعية عن المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية والسياسية، وثانيها إفراد هذه “الشرعيّة” على الحركات المسلحة المعارضة للنظام، وتحويلها إلى سلطة شرعيّة حتّى وإن كانت لا تستجيب إلى أدنى مقومات السلطة ومقدرات الدولة.

في هذا المفصل من “تغيير الأدوار” بين الدولة والميليشيا” عمدت الفضائيات العربية -خاصة منها تلك الموغلة في الدماء العربية- إلى تنزيل “الحركات الميليشياوية” صلب معجمية الدولة والمؤسسات، فصارت مفاهيم ”جيش” التغيير والإصلاح في اليمن و“قيادة المؤسسة العسكرية للثوار” في ليبيا عبارات تسويغيّة لفكرة “دولنة الميليشيات”، في حين أنّ مصطلحات على غرار “الكتائب” و“العصابات” و“القوات الموالية” كانت تحفر عميقا في مستوى إسقاط الدولة مخيالا وافتراضا.

وكانت أيضا “تشرّع” للحرب الأهليّة من زاوية أنّ الاحتراب القائم في دول الربيع العربي ليس بين دولة رسميّة ومجموعات معارضة مسلحة، وإنّما بين “كيان سياسي” فاقد للشرعيّة ومجموعات معارضة منظمة وديمقراطية هي أولى بالحكم من الطرف الأوّل.

وكما قضمت “الميليشيات المسلحة” التكفيريّة أرضا وماء ونفطا وغازا من الجغرافيا الليبية والعراقية والسوريّة وحتى اللبنانية، هاهي اليوم تتمدّد في اليمن مسيطرة على العاصمة السياسية وعلى القرار السيادي في الدولة وتفرض معادلتها في التوازن الإقليمي في المنطقة.

وكما وجدت ميليشيات “فجر ليبيا” وأنصارها من “أنصار الشريعة” أبواب طرابلس مفتوحة لبسط نفوذها على الموانئ والمطار وعلى البرلمان والمحكمة الدستوريّة، هاهي جماعة الحوثي تدخل “القصر الرئاسي” بلا أدنى مقاومة عسكريّة أو أمنيّة.

يتساءل البعض عن غياب الجيش اليمني في صنعاء، والليبي في طرابلس أمام جحافل “الميليشيات”، بيد أنّهم يتناسون أنّ جزءا كبيرا من الحرب المعنوية والأخلاقية افتقدتها الجيوش العربية في ظل قصف إعلامي واتصالي مركز على “تفكيك” الدولة الرسميّة، وإسناد “الشرعية” للفعل الميليشوي.

في “زمن الميليشيات” وهو العقد الذي نعيشه اليوم في العالم العربي بامتياز، يفرض على الدولة الرسميّة التطبيع مع الميليشيا وليس العكس، وتجبر مؤسسات الدولة على الانصياع لفكر “الوكيل” والأصيل الطابع لذهنية ومسار عمل العصابات.

أليس من باب المفارقة أن يفرض عبدالملك الحوثي، زعيم جماعة الحوثي، على الدولة والجيش في اليمن ورقة شروط رباعية.

ثم أليس من باب المفارقة أيضا أن تشترط عمليات فجر ليبيا جدول أعمال محدّدا من لدنها للمشاركة في الحوار الليبي مع “ممثلي الدولة الرسميّة؟”.

في “زمن الميليشيات” أيضا، تحرّك الدولة الوطنية ميليشياتها -بدافع عرقي أو ديني أو مذهبي- للدفاع عن كينونتها حيال الميليشيات المعارضة، لنكون أمام معادلة مأساويّة قوامها دول إقليمية كبرى تحرك وتجند ميليشيات مذهبية للقتال ضد دولة “تجير” ميليشيات موالية لها للدفاع عنها من خطر الميليشيات.

وفق هذه المعادلة تستعيض الدولة عن فكرة المواطنة وعن تفكير المؤسسات، وتنحدر -طوعا أو كرها- إلى منظومة العمل الميليشوي من حيث “شعبوية” التنظيم، و”عنصرية” التفكير والارتهان السياسي والعسكـري والمـادي إلى الأصيل.

“معادلة الميليشيا في وجه الميليشيا” هي الحاكمة اليوم في “زمن الميليشيات”، من العراق إلى ليبيا، سواء انتصرت هذه الميليشيا أم تلك فالمحصلة “كيان فاشل” و”قرار سياسي سيادي” خارج القطر وسلاح عاجز عن الإصلاح.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر