الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

العبادي أمام خيارات مصيرية

المطلوب من العبادي الانفتاح على الكفاءات الوطنية المخلصة للعراق والتي آثرت الصمت أو الابتعاد عن مسرح العملية السياسية رغم جسامة الجرح العراقي.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/02/02، العدد: 9816، ص(7)]

لا تطورات مهمة على الصعيدين العسكري والسياسي تشي إلى انفراج قريب يعيد هذا البلد إلى الاستقرار الذي يحتاجه العراقيون اليوم أكثر من أي وقت مضى. فهذه الحرب اندلعت كرد فعل على اجتياح داعش للعراق، ووفق استراتيجية أميركية جديدة تسعى من خلالها الى إعادة خرائط النفوذ بعد أن فرضت إيران نفسها كقطب ليس مشاركاً وإنما مؤثراً رغم خسائرها الهائلة على المستويات اللوجستية، والمشاكل الكبيرة التي تواجهها بسبب انخفاظ أسعار النفط .

فالحرب على داعش في العراق ما زالت معالمها غير واضحة وسط ضبابية المواقف العسكرية اليومية وعدم وجود استراتيجة موحدة واضحة لهذه الحرب. وواقع الحال يقول بأن هذا التنظيم الإرهابي ( داعش ) يستميت للحفاظ على مواقعه المهمة في العراق، بل يحاول القيام بعمليات استباقية مثلما حصل خلال اليومين الأخيرين في كركوك. لأنه يعلم بأن هزيمته على الأرض العراقية ستعني خسارته النهائية في سوريا . وتستغل إيران هذه الظروف العسكرية المعقدة لتنفيذ فرضية قيادتها لعمليات تحرير العراق من داعش، وتَحسب تلك الانتصارات لصالح المليشيات المرتبطة بها لتعزيز مكانتها السياسية في السلطة العراقية. أما الأميركان فهم يحاولون اللعب مجدداً على ورقة العرب السنة مع أنها ورقة محترقة في الظرف الجديد، معتقدين بأن مشاريعهم بإنشاء ( الحرس الوطني ) وتدريب مقاتلين من أبنائهم ستشكل قاعدة يستفيدون منها في مواجهة نفوذ إيران، لكن تسّرب بعض مشايخ العرب السنة أخيراً إلى طهران لتعزيز مكانتها، وتعقيدات كثيرة لدى الزعامات العشائرية الأخرى أسقطت هذه الورقة من أيدي الأميركان الّذين استسلموا لحقيقة النفوذ الإيراني في العراق حتّى وإن منعتهم مكابرتهم من إعلان ذلك. ولكنّ العنصر الجوهري والحاسم في كل ما يحدث على الساحة العراقية هو الحل السياسي الذي يمتلكه العبادي لكي تعاد ثقة المواطن بحكومته وتصبح المعركة ضد الارهاب معركة كل العراقيين .

إن تضييق فرص الحل السياسي الذي توجهت الآمال حوله عشية استلام العبادي لرئاسة الوزارة، وتراجع فرص نجاحها ليس بسبب ” الحرب والمؤامرة ” ولكن لأسباب عقائدية منها عدم مغادرة قادة ” التحالف الشيعي ” أو غالبيتهم لقناعاتهم منذ استلامهم الحكم عام 2005 ولحد الآن “بأن العرب السنة هم أسلاف مصادرة الخلافة الشيعية قبل ألف وأربعمئة عام، وأنهم أتباع نظام صدام حسين والبعث “، ولهذا لم تنقطع أو تتراجع سياسة الضغط الأمني والسياسي عليهم وحرمان الكثير منهم من حقوقهم المدنية، والتطويع المتواصل والتكبيل العنيف وإخراس أصوات واجهاتهم السنية الحالية عبر إغراءات المناصب النيابية، مع أنها إرادة ناخبيهم، وتوظيف هذا الغطاء من قبل مليشيات معروفة لتنفيذ مسلسل مجازر القتل والتهجير، ولجم وتغييب الدعوات الوطنية المخلصة لحل عادل يعيد حقوق العرب السنة ويضع قواعد جديدة للنظام السياسي القائم تعتمد دولة المواطنة وليست دولة المكونات.

هناك تباطؤ في تنفيذ برنامج الاتفاقات التي تشكلت الحكومة وفقها، بل وتعطيل بعض فقراته خصوصاً ما يتعلق مثلاً ” بقانون المساءلة والعدالة ” حيث يجري الحديث عن تشريع قانون جديد “لاجتثاث البعث ” فكرياً وسياسياً لكي يطارد ويعتقل كل من يشتبه بانتمائه لحزب البعث. وهذه الخطوة تلبي رغبات الكراهية والثأر والانقسام . علماً بأن تطبيقات القانون منذ عام 2003 ولحد الآن لم تلاحق قضائياً من تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء، وإنما عرضّت عشرات الآلاف من الأبرياء إلى مصادرة حقوقهم المدنية والإنسانية. ولا ندري ما قيمة دعوات المصالحة الوطنية التي سبق أن شكلت لها مؤسسة رسمية مرتبطة بمجلس الوزراء وخصصت لها الأموال. واليوم ترتبط بنائب رئيس الجمهورية أياد علاوي ووضعت لها ميزانية معينة. وهنا يطرح سؤال مفاده المصالحة مع من؟ وهناك تداعيات خطيرة جديدة في التغيير الديموغرافي ناتجة عن نزوح مليوني سني بسبب حرب داعش، وسط تنفيذ مجازر لا إنسانية لتصفيات جسدية جماعية ضد أبناء العرب السنة في المناطق التي يطرد منها داعش، وآخرها ما حصل في منطقة ” بروانة بقضاء المقدادية .

إن تصاعد الإحباط ومشاعر القلق لدى العرب السنة بأنهم فقدوا كل شيء وتحولوا الى لاجئين داخل وطنهم، يضاعف من تعقيدات فرص الحل السياسي لهزيمة داعش . وبعيداً عن واجهات الدعاية والإعلام فإن الواقع يشير إلى عدم بدء العبادي ببرنامج الحل رغم كل ما يبشّر به وما يمتلكه من نيات صادقة، ويبدو أن الظروف الضاغطة المحيطة به هي سبب ذلك. ولكن لا خيار أمامه فإمّا الدخول في ميدان الإصلاح الثوري السياسي وبرنامجه واضح لديه، أو البقاء في الفلك الذي وقع أسيراً له سلفه المالكي. وهو يعلم بأن الأيام تأكل بقوة من جرف الدعم المعنوي الذي أحيط به. كما أن غطاء “حرب داعش” سينتهي بنهاية احتلاله للأراضي العراقية الربيع المقبل، حسب الإعلانات الرسمية.

أمام العبادي اليوم، الكثير من المسؤوليات وضغوط التركة الثقيلة لكن مفاتيح الحل السياسي بيده، وقد وصلت الأمور إلى مرحلة التنفيذ المعطلة الآن، وذلك ليس في صالحه .

إنّ نافذة الأمل التي انفتحت بمجيئه للسلطة يمكن أن تتحول إلى تدحرج مخيف إلى حالة من الإحباط العام. والنقطة الجوهرية للدخول في الحل الوطني هي تجاوز تقاليد شراكة “العرب السنة” وما يحيط بها من تعقيدات ومنافع ذاتية، والابتعاد عن الوقوع في شراك استشارات الدوائر المحيطة به ذات الأغراض المعززة للأحقاد والكراهية.

المطلوب منه، هو الانفتاح على الكفاءات السياسية والثقافية الوطنية المخلصة للعراق والتي آثرت الصمت أو الابتعاد عن مسرح العملية السياسية رغم جسامة الجرح العراقي، وفتح حوارات مبرمجة وجدية معهم للوصول إلى حلول إنقاذية للعراق، والفرصة ما زالت قائمة.

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر