الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

هوامش على 'فقه' المصادرة

باسم الجمهور وباسم سراب يطلق عليه ثوابت الأمة تفرض وصاية لا يدرك المدعون بها أن شعب 25 يناير أنضجته التجربة الميدانية، حين كانوا يتحسسون الطرق إلى الواجهة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/02/03، العدد: 9817، ص(8)]

قبل خمسة عشر عاما شاهدت فيلم “جمال أميركي”. أعجبني وأشفقت على بطله كيفين سبيسي، وكدت أقول لصديقي “كلنا كيفين سبيسي!”، فأهداني النسخة الكاملة، بعد أن نال مقص الرقيب في مصر من الفيلم ما ناله. ولكن عائلة مصرية زايدت على الرقيب الحكومي، وعلا صوتها بالشكوى، في احتجاج يحمل بصمات النفاق الديني - الاجتماعي، فما كان من مسؤول دار العرض إلا أن زايد على مزايدة الأسرة المصرية، وحذف مشهدا أجازه الرقيب الحكومي، لأن الرقابة المجتمعية اتهمت الفيلم بخدش الحياء العام.

تعرض الفيلم لأذى رقيبين، حكومي ومجتمعي، فارتبكت دراما مشهد مهم، يحلو لبعض نقاد الأدب في شيء من الفذلكة أن يسمّوه “المشهد المفصلي”. يجمع المشهد المفصلي الزوج المحبط وصديقة ابنته التلميذة المتفجّرة شبابا “مينا سوفاري”، وما أدراك من تكون مينا سوفاري، ظلت التلميذة تستعرض مغامرات وهمية لغواية الرجل ضعيف القلب، وفي اللحظة الأخيرة، حين كانت عارية من الكذب، أخبرته أن هذه تجربتها الأولى، فاحتضنها بشعور الأب، وكان حانيا عليها مقدّرا ضعفها، وانتهى الأمر.

ولكن حذف هذا “المشهد المفصلي!” بحجة خدش الحياء العام أوحى لصديق آخر بما لم يتخيّله صناع الفيلم. سألني وهو يعلم أنني شاهدت النسخة الكاملة “هل أخبرته البنت بأنها مصابة بالإيدز فانصرف عنها؟ أم أنه أقام معها علاقة فحذفوا المشهد؟” كلا الأمرين لم يحدثا، وقلت له إن حذف هذا المشهد، ولم أسمّه المفصلي، كان عملا غير أخلاقي؛ لأن كثيرين من مشاهدي الفيلم تخيّلوا أن علاقة وقعت بين رجل وفتاة في سن ابنته، في ما يشبه التغرير بقاصر، وهو سلوك غير متحضر وغير قانوني، ولكن النفاق الاجتماعي أوحى به.

أتذكر الآن هذه “الواقعة التاريخية” وابتسم فالزمن تجاوزها، والفيلم بنسخته الكاملة متاح، ولكن ما بقي في مصر هو أسوأ ما تركه ذلك السياق، من رقابة شعبية تزايد على ضيق أفق المسؤول الحكومي، بل تتجاوز القانون أيضا، غير مدركة فارق التوقيت الحضاري والتكنولوجي، وهو ما لم تستوعبه أيضا وزارة الثقافة المصرية ولا ناشر تعرض لابتزاز بعضه غير معلن، في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وقد كبر وبلغ دورته السادسة والأربعين، وظل عقله في ميعة الصبا وما يلازمه من حماقات.

الوزارة في عصر وزيرها جابر عصفور، الذي تعلق طوال عصر حسني مبارك بأستار كعبة التنوير، أراحت ضميرها من خطيئة “سحب” كتب ليوسف القرضاوي من معرض الكتاب، وبثت في صفحتها على الفيسبوك، في منتصف الليل تقريبا، في الليلة الفاصلة بين الجمعة والسبت 31 يناير 2014، بيانا تبرّئ به ذمتها من “جريمة” يسهل أن تمتد خيوطها، فيطال الشرر كتبا أخرى، بعد إرساء قاعدة “الاستنكار الشعبي”، وتلك حجة متهافتة وسخيفة؛ فأنا من هذا الشعب، وليس باسمي صدر بيان وزارة عصفور، ولا أبدي استياء من وجود كتب للقرضاوي أو أبي الأعلى المودودي أو سيد قطب، كلها في بيتي، وقرأتهـا منذ سنوات الجامعة، وأحتفظ بتلك الطبعات القديمة، من أول “الحجاب” و”الجهاد في سبيل الله” للمودودي، حتى “ابن القرية والكتاب” للقرضاوي، مرورا بكتب سيد قطب في مراحله المختلفة.

من المضحك أيضا أن يتضمن البيان بعض الفخر الكاذب بما قال إنه وعي “جمهور القراء”، ولا أعلم استفتاء جرى، أو شكوى مواطن أوجع حسَّه الوطنيَّ وجودُ كتابين للشيخ الذي كتبت جانبا من قصتي معه، هنا في “العرب” بتاريخ 1 مايو 2014، تحت عنوان: “القرضاوي: بئس التحول وبؤس الخاتمة”.

لم ينسَ كاتب البيان تذكير الناس بمعلوم من الهوس الوطني بالضرورة، عن “القرضاوي الذي يجاهر بعدائه لمصر وشعبها… لا ينكر انتماءه لجماعة الإخوان الإرهابية”، وتذكيرهم أيضا بإيمان الوزارة “بحرّية الرأي والفكر… ولا ترحب بمصادرة أي كتاب إيمانا منها باحترام الرأي والرأي الآخر… ولكن الجمهور الوطني الواعي رفض أن يكون لهذا الرجل الذي يناصب مصر وشعبها وجيشها العداء كتب داخل المعرض”، فما كان من دار الشروق إلا أن “بادرت برفع هذه الكتب من جناحها احتراما لإرادة جمهور المعرض”.

ضحكت وتألمت من تخيّل جابر عصفور ومن رحّبوا بوهم اسمه “الجمهور الوطني الواعي” وقد دارت بهم الدائرة، وأصبحوا وقودا لمثل هذه المعارك التي التهمت نيرانها يوما، قبـل خمسة عشر عاما وبالقرب من أزمة فيلم “جمال أميركي”، رواية الكاتب حيدر حيدر “وليمة لأعشاب البحر”، حين أشعل رئيسها أحمد عمر هاشم في صيف عام 2000 مثل هذا الحريق، في سلوك غير مسؤول من رجل دين عيّنه حسني مبارك عضوا في البرلمان، وكان عضوا في المكتب السياسي للحزب الوطني الحاكم، ورئيسا للجنة البرامج الدينية في التلفزيون الحكومي، وهي مناصب في مجموعها تقل عن وزير، وربما دفعه الطموح إلى القول “الفجور ليس في الفن والإبداع”، دون أن يقرأ رواية كتبها سوري عن عراقيين في الجزائر.

تلك الرواية الآثمة التي لم تهدد السلم العام، حين كانت تأتي من بيروت وتوزع في القاهرة، ولا فتنت مسلما في دينه. لم يدّع طالب أزهري من جمهور الغاضبين أنه قرأ الرواية، فباسم الجمهور وباسم سراب يطلق عليه ثوابت الأمة، ترتكب الجرائم وتفرض وصاية لا يدرك المدعون بها أن شعب 25 يناير أنضجته التجربة الميدانية، حين كانوا يتربّصون ويتحسّسون الطرق إلى الواجهة، نسأل الله حسن الخاتمة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر