الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

علوم الدين والدنيا

الجمود في مناهج علوم الدين يجعل التسليم بما أنجزه السلف من علوم هو الكمال بعينه، الأمر الذي يجعل دائرة التفكير والبحث والنقاش في هذه العلوم محكومة بمحدداتها القبلية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/02/05، العدد: 9819، ص(15)]

تتطور العلوم الإنسانية على غرار باقي العلوم مستفيدة من منجزات العلوم الأخرى ومؤثرة فيها في الآن نفسه. هذه العلاقة الجدلية بين سائر العلوم نلاحظ أنها غائبة أو مغيبة عن علاقة علوم الدين بها، نظرا إلى أن المناهج التي تقوم عليها علوم الدين لم يجر تطويرها وانفتاحها على التقدم الحاصل في مجالات العلوم الأخرى، ما يجعل تلك العلوم لا تغادر الأطر والمفاهيم والأدوات التي وضعها علماء المسلمين منذ مئات السنين، وكأن هذه العلوم لا علاقة لها بما يحدث من تطوّر كبير وواسع في العلوم الأخرى يمكن الاستفادة منه في تطوير مناهج الدراسة والبحث في الأقسام والجامعات والمعاهد التي تدّرس طلابها هذه العلوم.

هذا الجمود في مناهج علوم الدين يجعل التسليم بما أنجزه السلف من علوم هو الكمال بعينه، الأمر الذي يجعل دائرة التفكير والبحث والنقاش في هذه العلوم محكومة بمحدداتها القبلية، التي تجعل منها إعادة الإنتاج لما سبق إنتاجه، وتغدو معه وظيفة الجيل التالي هي الحفظ والنسخ، ما يجعلها في تعارض مع مفهوم العلم الخاضع للتطور والتجديد بحكم تطوّر المعرفة الإنسانية والخبرة ومناهج البحث والتحليل، التي تتسارع بصورة كبيرة في عصر الانفجار المعرفي.

مشكلة هذه العلوم لا تقتصر على علاقتها بالتطور العلمي والمعرفي الراهن، بل تتجاوز ذلك إلى علاقتها بمنجزات الفكر الإسلامي لا سيما الفلسفي منه، متمثلا في فلسفة المعتزلة والفلاسفة المسلمين المعروفين كابن سينا والفارابي وابن رشد، ما يجعل الأفق المعرفي لأصحاب هذه العلوم محدودا، ويدور في دائرة مكتملة معرفيا وعلميا من وجهة نظر أصحابها.

هذا الوضع هو الذي يجعل أصحاب هذه العلوم والعلوم نفسها تظل في حالة من الجمود تعطل دور العقل واتصالها بروح العصر الذي تنتمي إليه.

المحاولات التي كسرت هذه القاعدة وحاولت أن تتفاعل مع منجزات الفكر الإنساني وعلومه الحديثة، جاءت من خارج هذه المؤسسات الدينية ولذلك كان تأثيرها خارج إطار هذه الدائرة، التي اتسم موقفها من هذه الاجتهادات والمحاولات سلبيا.

رغم ذلك ثمة رموز دينية خرجت على هذا التقليد، وآمنت بالتجديد أمثال الشيخ عبدالله العلايلي الذي وضع الفلاسفة في مقام قريب من الأنبياء، والذي قال “ليس محافظة التقليد مع الخطإ، وليس خروجا التصحيح الذي يحقق المعرفة”.

المشكلة أن هذه الأصوات لم تجد من يتابع مسيرتها، نتيجة لسيطرة التيارات السلفية والمحافظة على المجال الديني والاجتماعي، لا سيما في النصف الثاني من القرن الماضي، بعد أن تركز همّ النظام السياسي على كسب دعم وتأييد المؤسسة الدينية.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر