الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

ذكريات المدرسة تنغص حياتهم

حلقة التربية والتعليم التي تشترك فيها الأسرة والمدرسة انقطعت بسبب انهيار القيم، وسيطرة ثقافة فرق تسد على عقليات المجتمعات.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/02/06، العدد: 9820، ص(21)]

ذكريات المدرسة بحلوها ومرها لا يمكن أن تمحى من الذاكرة مهما بلغ بنا قطار العمر مراحل متقدمة، والأسوأ منها يحفظه الذهن بعناية كبيرة، فيظل مرافقا لنا في حلنا وترحالنا، ومتحكما في خياراتنا في الحياة حتى من دون أن نشعر.

ولكن الكثير من الآباء وأيضا المعلمين يجهلون أن الذكريات تبدأ بالتشكُّل منذ سن السادسة، والأحداث التي يعيشها الطفل داخل وسطه العائلي أو المدرسي ستنشأ عنها مجموعة من الصور تظل محفورة في عقله ومن الصعب عليه التخلص منها، بل ستلعب دورا كبيرا في تحديد سلوكه وتوجهه نحو النجاح أو الفشل.

وفي عصر كثرت فيه الأعباء، وتسارع فيه نسق الحياة، بات من السهل على الأولياء التخلي عن مسؤولية تربية أبنائهم، بسبب ضيق الوقت واللهث الدائم وراء لقمة العيش.

وقد أدى ذلك إلى خلق فجوة عاطفية كبيرة بين الأبناء والآباء، ومع ذلك فإن أغلبية الأسر تستبعد العلاقة المحتملة بين انفصالها عن أبنائها وتأثرهم السريع بأفكار وسلوكات أخرى يمكن أن تقضي على مستقبلهم، وإن كان هذا الابتعاد جعلها تجهل أيضا كل ما يدور في حياة أبنائها. وللأسف الشديد، فالمدرسة أيضا لم تعد اليوم فضاء للتربية والدراسة حتى يذكرها التلاميذ بخير، بل باتت أيضا جحيما لا يطاق للكثيرين، وأجواؤها تخنقهم ويتمنون مغادرتها مع أول جرس يقرع.

وما نلاحظه اليوم ارتفاع نسب المنقطعين عن الدراسة قبل إتمام المرحلة الثانوية، وخاصة في البلدان العربية، وذلك ليس ناتجا عن الظروف الاجتماعية الصعبة فحسب، وإنما أغلب التلاميذ ينقطعون عن الدراسة هربا من زملائهم الموهوبين في إيذائهم. وتكاد تكون مشكلة “بلطجة” تلاميذ المدارس ظاهرة عامة في جميع دول العالم، وقد استفحلت أكثر في السنوات الأخيرة، إذ لا يكاد يخلو فصل من تلميذ يسبب المتاعب ويخلق المشاكل لزملائه ولمدرسيه أو للجميع على حد السواء.

وأرجعت العديد من الأبحاث ارتفاع أعداد الأطفال الذين ينقطعون عن التعليم في سن مبكر إلى الخوف والقلق اللذين يلازمانهم داخل الوسط المدرسي، وخاصة بسبب الترويع والسلوك المنفلت لزملائهم في الفصل.

وحذر خبراء الصحة النفسية من خطر الاستقواء وتبعاته على من يتعرضون له، فقد يدفع البعض إلى إيذاء أنفسهم وحتى الإقدام على الانتحار، في ما يعجز الكثيرون عن التخلص من آثاره النفسية في مراحل عمرهم المتقدمة.

وأرجع خبراء في سلوك الأطفال السبب وراء انفلات بعض التلاميذ، إلى الفراغ العاطفي الذي يخلفه غياب الأهل وانشغالهم الدائم عن أبنائهم، ورجحوا أن ذلك يدفعهم إلى عدم الإذعان للبالغين سواء في المنزل أو المدرسة والتصرف وفق أهوائهم.

كما أشاروا إلى أن مسؤولية التعامل مع التلاميذ المشاغبين لا تقع على عاتق الأسرة فقط، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الأسر والمدرسين والسلطات التربوية.

ونظرا لأن الطفل يمضي في المدرسة وقتا أطول من الحيز الزمني الذي يقضيه بين أسرته، فإن مهمة المعلم لا يجب أن تقتصر على تلقينه أبجديات الكتابة والقراءة فحسب، بل ومن المفروض أيضا أن يعلمه السلوك الجيد والانضباط والشعور بالمسؤولية والاستقلالية وما إلى ذلك من المهارات الاجتماعية.

ولكن حلقة التربية والتعليم التي تشترك فيها الأسرة والمدرسة انقطعت بسبب انهيار القيم، وسيطرة ثقافة فرق تسد على عقليات المجتمعات.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر