الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

لا طبول ولا مزامير

الحرية التي رفع الشباب العربي أصواتهم بالمطالبة بها، لم تكن حرية سياسية أو دينية، لكنها كانت نتاجا طبيعيا للضرورة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/02/06، العدد: 9820، ص(24)]

قرأت أن أحد الكتاب الشباب طلب ذات يوم من المسرحي الفرنسي تريستان برنار أن يساعده في وضع عنوان مناسب لكتابه الجديد فسأله برنار: “هل كتبتَ في كتابك شيئا عن الطبول أو المزامير؟”، فقال الكاتب اليافع: “لا”، فقال برنار: “إذا ليكن عنوان كتابك (لا طبول ولا مزامير)”.

كذلك حال الناس اليوم، لا طبول ولا مزامير، ما دام لا أحد يتحدث عنها، فهذا لا يعني أنها قليلة الأهمية، بل غير موجودة أصلا، وكذا الفكر والسياسة والمعرفة، فبعد أن رأينا ما فعلت المعارضات التقليدية ومعها الإسلام السياسي بالمستقبل، وقبلهما الحكم المستبد، اكتشفنا أن الحل يكمن في إزاحة هؤلاء جميعا، وبات هذا عنوان المرحلة، لا طبول ولا مزامير، ولكن دون أن يكون في الفراغ ما يملأه، ولا يعني هذا أن يتم استرداد أي من تلك العدّة التالفة عديمة الفائدة، لتحلّ من جديد في الفراغ، لكن الأرحام لن تعجز عن استيلاد الجديد، بدءا من حكمة المعلّم بوذا العتيقة حين قال عن نفسه: “أمتلكُ الماسة التي هي معرفةُ الفراغ”، فالسعيد من يقدر على إدراك ذلك الفراغ والتعامل معه.

ولأن الفراغ عورةٌ إنسانية، كان على السابقين أن يستروها بأي وسيلة، وفي أسرع وقت، فتراكم الزمان من أيام أبي تمام القائل: “هَبْ مَنْ لهُ شيء يريدُ حِجابَه/ ما بالُ لا شيء عليهِ حِجابُ؟”، حجبٌ بعضها فوق بعض، تنطوي على لاشيء، تريد أن تصنع اللحظة والغد، وتواجه العالم وتجد لها مكانا فيه، فبعد أن انتهت الإيديولوجيات الكبيرة، ومُنع المجتمع المدني من تقديم بديل حيوي لا سياسي، كيف سيستمر الإنسان؟

حتى في أميركا، توجد عقيدة عملاقة قائمة على فكرة واحدة (الحرية) مطروحة في السوق والحياة والفنون والصناعة، وهي حرية تصطدم بمصالح الكبار دون شك، ولكن البلاد كلها قامت حين قامت على تلك الفكرة لتحولها إلى حكاية، ثم تبشّر بها كمشروع عالمي، ولذلك فإن الحرية التي رفع الشباب العربي أصواتهم بالمطالبة بها، لم تكن حرية سياسية أو دينية، لكنها كانت نتاجا طبيعيا للضرورة، ولذلك أيضا لا يمكن أن تموت المطالبة بها، وإن تغيّر المشهد، وصعدت قوى وهبطت أخرى، فإما أن يغلب العلم وإما أن تغلب القوة الغاشمة، ولا قوة تستطيع البقاء محيطة بالفراغ.

ولا تنفك قصيدة أبي تمام تشرح المشهد كما لو أنها قيلت اليوم، “فاضَ اللِئامُ وَغاضَتِ الأَحسابُ/ وَاِجتُثَّتِ العَلياءُ وَالآدابُ/ من كانَ مفقودَ الحياءِ فوَجهُه/ من غير بَوّابٍ له بَوّابُ”، أما القارئ الكريم الصامت وأنا معه فحين ننظر إلى الظواهر اليوم فلا يسعنا سوى المتابعة مع الحوراني الكبير ذاته “ما زال وسواسي لعقلي خادعا/ حتى رجا مطرا وليسَ سحابُ”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر